فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 509

= قلنا اهبطوا =، فهو قول واحد كرّر مرتين لربط الكلام، ولذلك لم يعطف = قلنا = لأنّ بينهما شبه كمال الاتصال = [1] . في هذا الاقتباس تتجلّى وظيفة الربط أساسا إلّا أنّه قد حكمت هذا التكرير مقتضيات تداوليّة عبّر عنها ابن عاشور = بتوهّم السامع أنّه خطاب للمؤمنين = إضافة إلى مقتضى خطابي صرف متعلّق بتماسك الخطاب، وهو اعتراض كلام بين قولين، وقد جاء التكرير لوصل ما انقطع بينهما.

ويتتبّع الزمخشري في تفسيره = التكرير = ويربط ذلك بالسياق، فحين يفسّر الآية {= وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ =} . يقول: = فانظر كيف كرّر الله عزّ وجل التنبيه على اختصاص المتّقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتّى، وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك يبصّرك مراتبهم. ويرغّبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدّموا، ويثبّطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، والتمنّي على الله ما لا تقتضيه حكمته = [2] . إذن فالزمخشري يرى أنّ النصّ يحشد أساليب عديدة من اجل إيصال الرسالة اللغوية، والتأكيد على هدفها، وهي الترغيب بنيل منزلة المتّقين هنا، والتكرير هو أحد هذه الأساليب.

ومن أمثلة هذا عند الرازي ربطه بين التكرار والعطف في الآية {= أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ =} . قال: في تكرير (أولئك) تنبيه على أنّهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى، ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا، فقد تميّزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين = [3] . ثم يتساءل: = فإن قيل: فلم جاء مع العاطف، يشرح ذلك كما سبق أن ذكرنا في مبحث العطف =. وهنا إشارة أخرى إلى تعدّد وظائف التكرير في سياق التواصل مع المخاطبين.

(1) التحرير والتنوير، 1/ 44.

(2) الكشاف، 1/ 46.

(3) نفسه، 1/ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت