للقصّة لم تقصّ على ترتيبها، وكان حقّها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: = وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها، قلت: كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل، إنّما قصّ تعديدا لما وجد منهم من الجنايات وتقريعا لهم عليها. ولما جدّد فيهم من الآيات العظام، وهاتان قصّتان كلّ واحدة منهما مستقلّة بنوع من التقريع وإن كانتا متّصلتين متّحدتين: فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال، وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة، وإنّما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنّه لو عمل على عكسه لكانت قصّة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصّة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتّحادها بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله = اضربوه ببعضها =، حتى يتبيّن أنّهما قصّتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنّها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة = [1] . فالترتيب الذي يقترحه المتسائل هو أن يقدّم ذكر المقتول ثمّ يعقّب بالأمر بالذبح ثم يأتي في الختام الأمر بضرب المقتول ببعضها إنّ هذا الترتيب يسلك سبيل ترتيب الوقائع في الخطاب حسب حدوثها في العالم الخارجي، أمّا الإجراء الذي يقوم به الزمخشري تبريرا لترتيب الخطاب على هذا النحو فهو النظر إلى الهدف الذي سيقت له جميع قصص بني إسرائيل في القرآن، وهو التقريع على مقابلتهم الطيّب بالخبيث والعصيان بدل الطاعة، ومن ثمّ فإن قصّة البقرة مرتبطة بالهدف العام من تلك القصص، وقد تحكّم الهدف في جعل القصّة قصّتين لأجل تثنية التقريع، أي التنصيص على ذنبين اثنين: الأوّل: المماطلة في تنفيذ أمره تعالى، والثاني: قتل النفس المحرّمة ممّا جعلهما من هذه الزاوية قصّتين، ولكنّهما من ناحية أخرى قصّتان متّحدتان متّصلتان، أمّا الذي ضمن الاتصال فهو الضمير المحيل إلى البقرة، ومن خلال استمرار أحد العناصر المتقدم في القصّة
(1) الكشّاف، 1/ 280.