الثانية. نخلص من هذا إلى أن الزمخشري تنبه أوّلا إلى أنّ القصّة كما هي في الخطاب وقع فيها التقديم والتأخير، وثانيا أن قلب الترتيب تحكّم فيه مقصد المتكلم وهو تثنية التقريع الذي ينتج عنه إشعار المتلقي بالذنب العظيم الذي ارتكبه المعنيّ بالقصّة. ومعنى هذا أنّ المقصديّة وهي مبدأ تداولي هي التي زحزحت الترتيب الأصلي بل قلبته، وقد نشير إلى أن المخاطب بهذه الآيات يأتي في مستويين: المستوى الأول هو مستوى الخطاب والمخاطب المباشر فيه هم بنو إسرائيل. والمستوى الثاني هو المقام والمخاطب المباشر فيه هم المسلمون، وإذا كان هدف الخطاب تقريع بني إسرائيل فإنّ هدفه بالنسبة للمخاطب المقامي هي التحذير من مغبّة إتيان ما أتاه هؤلاء من أفعال منكرة، مجملها عصيانه تعالى ممّا استوجب غضبه عليهم وكشف صورة اليهود المعاصرين للرسول الكريم في المدينة المنورة.
أما اهتمام الرازي فقد انصبّ على سبب الترتيب، وهو هنا غير مرتبط بالأحداث وكيفيّة حدوثها، ومراعاة ذلك في إنتاج الخطاب، وإنّما هو مرتبط بترتيب العناصر في الخطاب، ومحاولة البحث في سبب ذلك الترتيب، وهذا ما سنعمل على إظهاره من خلال تفسيره للآيتين (2221) قال الرازي: = إنّ الله تعالى ذكر هاهنا خمسة أنواع من الدلائل: اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق فبدأ أوّلا بقوله (خلقكم) وثانيا بالآباء والأمّهات وثالثا بكون الأرض فراشا ورابعا بكون السماء بناء، وخامسا بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض ولهذا الترتيب أسباب: الأوّل: أنّ أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر، فلهذا قدّم ذكر الإنسان، ثم ثنّاه بآبائه وأمّهاته، وثلّث بالأرض لأنّ الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، وإنّما قدّم السماء على نزول الماء من السماء، وخروج الثمرات بسببه لأنّ ذلك كالأمر المتولّد من السماء والأرض والأثر متأخّر عن المؤثّر، فلهذا السبب أخّر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء، الثاني: هو أنّ خلق المكلّفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم،
وأمّا خلق الأرض والسماء والماء، فذلك إنّما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة. فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع، الثالث أنّ كلّ ما خلق في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل من الإنسان، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيها لأنّ الإنسان حصّل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل، وكلّ ذلك ممّا لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى فلمّا كانت وجوه الدلائل له هاهنا أتمّ كان الأولى بالتقديم = (1) .