أما اهتمام الرازي فقد انصبّ على سبب الترتيب، وهو هنا غير مرتبط بالأحداث وكيفيّة حدوثها، ومراعاة ذلك في إنتاج الخطاب، وإنّما هو مرتبط بترتيب العناصر في الخطاب، ومحاولة البحث في سبب ذلك الترتيب، وهذا ما سنعمل على إظهاره من خلال تفسيره للآيتين (2221) قال الرازي: = إنّ الله تعالى ذكر هاهنا خمسة أنواع من الدلائل: اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق فبدأ أوّلا بقوله (خلقكم) وثانيا بالآباء والأمّهات وثالثا بكون الأرض فراشا ورابعا بكون السماء بناء، وخامسا بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض ولهذا الترتيب أسباب: الأوّل: أنّ أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر، فلهذا قدّم ذكر الإنسان، ثم ثنّاه بآبائه وأمّهاته، وثلّث بالأرض لأنّ الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، وإنّما قدّم السماء على نزول الماء من السماء، وخروج الثمرات بسببه لأنّ ذلك كالأمر المتولّد من السماء والأرض والأثر متأخّر عن المؤثّر، فلهذا السبب أخّر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء، الثاني: هو أنّ خلق المكلّفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم،
وأمّا خلق الأرض والسماء والماء، فذلك إنّما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة. فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع، الثالث أنّ كلّ ما خلق في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل من الإنسان، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيها لأنّ الإنسان حصّل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل، وكلّ ذلك ممّا لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى فلمّا كانت وجوه الدلائل له هاهنا أتمّ كان الأولى بالتقديم = [1] .
وقد أدرجنا هذا النصّ رغم طوله نظرا لأهميته بالنسبة لترتيب الخطاب، وإذا تساءلنا عن المبادئ التي حكمت هذا الترتيب في رأي الرازي وجب أن ننظر في الأسباب التي ذكرها كلّ على حده ففي السبب الأول نجد علاقة القرب والعلم بالشيء، وقد احترم الخطاب هذه العلاقة فقدّم خلق الإنسان نفسه ثم ثنّى بوالديه ومن جهة أخرى واعتبارا للعلاقة نفسها قدّمت الأرض على السماء في الخطاب على أنّ علاقة القرب والعلم لا تعني شيئا إن لم ينظر إليها في الغرض الذي يروم المتكلّم تحقيقه، وهو إقناع المتلقّي بوحدانيّته وهذا ما تنبّه إليه الفخر الرازي حين صاغ تلك القاعدة (إذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم، فكلّ ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر) التي تحكّمت في ترتيب العناصر في الخطاب على ذلك النحو المخصوص، إضافة إلى هذا نجد في السبب الأوّل علاقة أخرى سببيّة (السبب المسبّب) :
الأرض السماء نزول الماء خروج الثمرات المؤثر الأثر فقد تأخّر هنا أمران: نزول الماء وخروج الثمرات وهما معا متوقّفان على وجود الأرض والسماء، ومن ثمّ كانا أثرين ناتجين عن مؤثرين. ونخلص من هذا إلى أنّ الآيتين
(1) تفسير الرازي، 3/ 111.