فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 509

وفق السبب الأول يتحكّم في ترتيب عناصرهما مبدآن: عقلي ومنطقيّ لكنّهما من حيث العمق مبدأ واحد: منطقيّ باعتبار أنّ الأول يهدف إلى الإقناع فسلك سبيل الاستدلال، والثاني راعى علاقة المؤثّر والأثر. والسبب الثاني الذي جعل الخطاب يترتّب على هذا النحو، هو ما سمّاه الرازي علاقة الفرع بالأصل التي يستفاد منها أنّ الإنسان أصل لوجود السماء والأرض إذ لا معنى في هذه الحالة لوجود الفرع بدون وجود الأصل، فوجود الأصل وهو الإنسان على كيفيّة مخصوصة هي الحياة والقدرة والشهوة والعقل، والتي بدونها يصبح وجود النعم عبثا فهو انتفاع مشروط، فالسبب الثاني يحكمه مبدأ منطقي تتحكّم فيه علاقة شرطيّة، والسبب الثالث يعدّ تبيينا للسبب الثاني، ومعه إضافة هي كون الإنسان الدليل الأسمى على قدرة الخالق. وبذا يكون الرازي قد ركّز على العلاقة المنطقيّة وهو أمر مبرّر إذا علمنا أنّ مقصد المتكلّم هو الإقناع فلا جرم أن جاءت الآيات استدلالية على هذا المقصد، ومن ناحية أخرى يمكن أن نقول إنّ هذه الأسباب تحكمها علاقة تداوليّة إذا قرئت قراءة أخرى، فالاهتمام بترتيب العناصر حسب المعرفة بها مسألة تداوليّة، وكذلك حسب القرب أو البعد مسألة تداوليّة، وحسب الأثر والمؤثر أمر تداولي وهو مرتبط بمعرفة الإنسان بالعالم الخارجي.

وفي مثال آخر يتساءل الرازي عن سبب تقديم قبول الشفاعة على أخذ الفدية في الآية (121) ، في الوقت الذي قدّم قبول الفدية على ذكر الشفاعة في سورة أخرى يقول في الجواب: = لأنّ من كان ميله إلى حبّ المال أشد من ميله إلى علوّ النفس، فإنّه يقدّم التمسّك بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعكس يقدّم الفدية على الشفاعة فائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين = [1] . وهنا يشير الرازي إلى اختلاف ترتيب الخطاب باختلاف المخاطب، وهي مسألة غاية في الأهميّة على المستوى التداولي.

ومن ناحية أخرى فقد أشار المفسّرون إلى علاقات خاصّة تحكم الترتيب من مثل الإجمال والتفصيل كما في تفسير الرازي للآية {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}

(1) تفسير الرازي، 2/ 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت