وهناك مثال آخر مختلف نوعا ما عن السابق في كون المفصّل بعيدا عن المجمل، ذلك أنّ الرازي يتبنّى رأي من ذهب إلى أنّ الآية (261) تفصيل لما أجمل في الآية (245) يقول: = في كيفيّة النظم وجوه (الأول) أنّه تعالى لمّا أجمل في قوله = من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعف له أضعافا كثيرة = فصّل بعد ذلك في هذه الآية (261) تلك الأصناف = [1] إنّ ما يلفت الانتباه في هذا التفسير هو أنّ الآية (261) تفصيل لمجمل ورد في الآية (245) أي أنّ هذه العلاقة تربط بين آيتين تفصلهما ست عشرة آية وهذه مسألة هامّة جدا يستخلص منها أنّ المفسّرين لم يهتمّوا بالعلاقة الخطيّة بين الآيات فحسب، بل اهتموا أيضا بالعلاقة العمودية بين بعض الآيات دون ان يعني هذا أنّ العلاقة بينهما قطعتها الآيات التي تملأ الفضاء من (260245) .
غير أنّ العلاقة بين الآيات لا تسلك دائما سبيل المجمل / المفصّل، بل قد تنقلب الأمور فيتقدّم المفصّل على المجمل لتحقيق غاية معيّنة، كما في تفسير ابن عاشور للآية (17) قال: {= مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا =} أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وإتماما للبيان بجمع المتفرّقات في السمع المطالة في اللّفظ في صورة واحدة، لأنّ للإجمال بعد التفصيل وقعا من نفوس السامعين = [2] . أي أنّ التمثيل إجمال لتفاصيل وردت في الآيات (8) إلى (16) . ومن ثمّ فإن العلاقة كما هي متجلّية في الخطاب لا تسلك سبيلا مخالفا من المفصّل إلى المجمل، فالترتيب الأوّل معياري، والثاني تداولي، وهو ما عبّرنا عنه بأنّه يأتي لتحقيق غاية معيّنة، وعبّر عنه ابن عاشور بقوله: = لأنّ للإجمال بعد التفصيل وقعا في نفوس السامعين =.
ومن أنواع العلاقات الداخلية: المناسبة، والتناسب بين الآي وهي بحث عن علاقة آية بآية أخرى متقدّمة، وقد بدا لنا من خلال الاستقراء أنّ المفسّر يشرع في البحث عن المناسبة حين تنقطع الصلة بين آية وآية، أو آيات سابقة (كما لو كانت الآية الأولى عن القتال والثانية عن إنفاق الأموال) ويفترضون وجود سائل يسأل ما وجه المناسبة بين هذه
(1) تفسير الرازي، 3/ 47.
(2) التحرير والتنوير، 1/ 302.