مرحلة أخرى متقدّمة قليلا أوجبت تغير الفعل، ولأنّ (البقرة) تأتي قبل الأعراف فقد اختصت بالفعل الذي يأتي أولا. وأما قوله في البقرة (رغدا) وحذفه في الأعراف، فقد ذكر الرازي إضافة لما سبق أن ذكرناه من قول الفيروزآبادي = لأنّه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا، وفي الأعراف لمّا لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه = [1] . ففي الأعراف جاءت الصيغة {= وَإِذْ قِيلَ} = مبنيّة للمجهول أمّا في البقرة فقد جاء الخطاب مباشرا من الله فاقتضى زيادة هذا الإنعام العظيم (كلوا رغدا) لمناسبته للمخاطب سبحانه.
وقد يكون التغير في بنية الخطاب لإحداث التناسب مع السياق اللغوي العام الذي ورد فيه، ومنه في هذه السورة {= فَأَنْزَلْنََا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا =} وفي الأعراف {= فَأَرْسَلْنََا =}
= لأنّ لفظ الرسول والرسالة كثرت في الأعراف فجاء ذلك على طبق ما قبله، وليس كذلك في سورة البقرة = [2] . ومن ناحية أخرى فقد قال تعالى في سورة البقرة: = {الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا =} [3] . وفي الأعراف { (ظَلَمُوا مِنْهُمْ) =} موافقة لقوله {= وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ََ =} ولقوله = {مِنْهُمُ الصََّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذََلِكَ =} [4] . إنّ قوله {= أَرْسَلْنََا =} فيه تأكيد على الاتساق الداخلي بين أجزاء النصّ القرآني كلّه، فإذا كان الحديث عن الرسالة شائع في ثنايا سورة الأعراف كلّها كان من الاتّساق الموضوعي أن يقول في هذه الآية {= فَأَرْسَلْنََا =} ، ولما ابتدأت سورة البقرة بالحديث عن التنزيل وافق هنا قوله {= فَأَنْزَلْنََا =} . ومن ناحية أخرى فإنّ سورة الأعراف فيها (منهم) وهو حرف تبعيض هنا لأنّ قوم موسى فيهم الظالمون وفيهم الصالحون، كما أوردت السورة نفسها، ولمّا لم يرد مثل هذا التبعيض في الفقرة فلم يقترن الفعل (ظلموا) ب
(1) تفسير الرازي، 3/ 93.
(2) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 143.
(3) سورة البقرة، الآية (59) .
(4) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 143.