يشقّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشقّ الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص فلا يتناقضان. وثانيهما: لعلّه انبجس أوّلا ثم انفجر ثانيا وكذا العيون يظهر الماء فيها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه، وثالثها لا يمتنع أنّ حاجتهم كانت تشتدّ إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيرا، ثمّ كانت تقلّ فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلا = [1] . إنّ الهدف الأساسي أن لا يكون هنالك تناقض بين مكوّنات النصّ القرآني، وهو ما يدخل ضمن (الاتّساق الداخلي للنص) وهو اتساق دلالي هنا، والأمر الآخر أنّ الحقيقة الخارجيّة وحدوثها ضمن شكل معيّن وآليّة معيّنة، جعل النّصين يختلفان في اختيار المفردات.
ومن أمثلته كذلك قوله: {= إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هََادُوا وَالنَّصََارى ََ وَالصََّابِئِينَ =} [2] . وفي سورة الحج { (وَالصََّابِئِينَ وَالنَّصََارى ََ) } [3] . وقال في المائدة {= وَالصََّابِئُونَ وَالنَّصََارى ََ =} [4] . قال الفيروزآبادي: = لأنّ النّصارى مقدّمون على الصابئين في الرتبة، لأنّهم أهل الكتاب، فقدّمهم في البقرة، والصابئون مقدّمون على النّصارى في الزمان، لأنّهم كانوا قبلهم فقدّمهم في الحج، وراعى في المائدة المعنيين فقدّمهم في اللّفظ وأخّرهم في التقدير، لأنّ تقديره: والصابئون كذلك. قال الشاعر:
فمن كان أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب
أراد إني لغريب بها، وقيّار كذلك، فتأمّل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن = [5] . إنّ المفسّر هنا اتّكأ على المقام في عنصرين من عناصره وهما: الرتبة الدينيّة أو
(1) تفسير الرازي، 3/ 96.
(2) سورة البقرة، الآية (62) .
(3) سورة الحج، الآية 17.
(4) سورة المائدة، الآية (69) .
(5) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 145.