فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 509

فناسب قوله = لا يؤمنون =. ومن أمثلته كذلك قوله {= وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جََاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ =} [1] . وفي السورة نفسها {= مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ =} [2] . فجعل مكان قوله (الذي) (ما) وزاد (من) . قيل: = لأنّ العلم في الآية الأولى علم بالكمال، وليس وراءه علم لأنّ معناه بعد الذي جاءك من العلم بالله وصفاته وبأنّ الهدى هدى الله. ولفظ (الذي) أليق به من لفظ (ما) لأنّه في التعريف أبلغ، وفي الوصف أقعد، لأنّ (الذي) تعرّفه صلته، فلا ينكّر قطّ، ويتقدّمه أسماء الإشارة، فيكتنف (الذي) بيانان: الإشارة والصلة، ويلزم الألف واللام ويثنّى ويجمع، وأمّا (ما) فليس له شيء من ذلك، لأنّه يتنكّر مرّة ويتعرّف أخرى، ولا يقع وصفا لأسماء الإشارة، ولا يدخله الألف واللام ولا يثنّى ولا يجمع، وخصّ الثاني ب (ما) لأنّ المعنى: من بعد ما جاءك من العلم بأنّ قبلة الله هي الكعبة، وذلك قليل من كثير من العلم، وزيدت معه (من) التي لابتداء الغاية، لأنّ تقديره: من الوقت الذي جاءك فيه العلم بالقبلة. لأنّ القبلة الأولى نسخت بهذه الآية، وليس الأوّل موقتا بوقت، وقال في سورة الرعد { (بَعْدِ مََا جََاءَكَ) } فعبّر بلفظ (ما) ولم يزد (من) لأنّ العلم هاهنا هو الحكم العربي أي القرآن، وكان بعضا من الأول ولم يزد فيه (من) لأنّه غير موقت [3] .

إنّ اختلاف السياق بين الآيتين أدى إلى إحداث تغييرين في هذا النصّ: الأوّل دخول (الذي) في مقابل (ما) في النصّ، والثاني دخول (من) في النصّ الثاني. فكلاهما تغيير تركيبي في المستوى النحوي، أمّا السياق فجاء اختلافه من ناحية نوع العلم فالعلم الأوّل هو العلم الكامل والعلم الثاني نوع من العلم فحسب، والاختلاف الآخر في السياق يتّصل بالزمن فالعلم الكامل لا يحدّه زمن، وأمّا مسألة القبلة فقد اتّصل تحويلها بزمن معيّن ولذلك أضيفت (من) .

(1) سورة البقرة، الآية (120) .

(2) سورة البقرة، الآية (145) .

(3) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت