أما عن أثر طبيعة المخاطب ومن هو، ووضعه، وأحواله داخل النّص فيمكن أن نرصد عددا من الآثار ذكرها المفسّرون، ومنها تنوّع الجمل بين الخبر والإنشاء، وبين أضرب الخبر هل هو مؤكّد أم غير ذلك. وكما أوضحه الرازي في قوله تعالى {= إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا =} كما مرّ معنا. وانظر كيف ساهمت حال المخاطبين في جعل الجملتين في الآية الكريمة = {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا فَأَمَّا} = [1]
مصدّرتين بالحرف (أمّا) قال المفسّر: = إيراد الجملتين مصدّرتين ب (أما) إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنّه الحق، وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه = [2] . وفيه أيضا ربط بغرض الخطاب.
ويربط الرازي بين حال المخاطب وحدوث العطف في النص ففي تفسيره للآية {= وَآمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمََا مَعَكُمْ =} قال: = اعلم أنّ المخاطبين بقوله { (وَآمِنُوا) } هم بنو إسرائيل، ويدلّ عليه وجهان: الأوّل أنّه معطوف على قوله {= اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ =} والثاني أن قوله {= مُصَدِّقًا لِمََا مَعَكُمْ =} يدل على ذلك = [3] . ويتبدّى هذا الأثر أيضا في الضمائر وزمن الخطاب ففي قوله تعالى: {= وَقَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ =} اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال: = المراد بالفريق من كان في أيّام موسى عليه السلام لأنّه تعالى وصف هذا الفريق بأنّهم يسمعون كلام الله والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال بل المراد بالفريق من كان في زمن محمّد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأنّ الضمير في قوله تعالى: {= وَقَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ =} راجع إلى ما تقدّم وهم الذين عناهم الله بقوله {= أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} =، وقد بيّنا أنّ الذين تعلّق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد = [4] . واتّساق زمن الخطاب أيضا يتبدّى في تفسيرهم للآية = {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} =. قال
(1) سورة البقرة، الآية (26) .
(2) تفسير الرازي، 3/ 11.
(3) نفسه، 3/ 40.
(4) نفسه، 3/ 134.