بين النّص وعالمه الخارجي، وقد مرّ معنا تساؤلهم عن قوله تعالى {= مِمََّا نَزَّلْنََا =} واختياره هذه الصيغة (نزّل) بدلا من أنزل وتحليلها بنزول القرآن منجّما بحسب الحوادث. ومرّ بنا كذلك التعبير عن الجنّة بالجنات وكيف علّل ذلك من خلال المقام.
وفي الآية (25) {= وَلَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهََا خََالِدُونَ =} تساءل المفسّر عن (مطهّرة) ويقول: = فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف، قلت: في (مطهّرة) فخامة لصفتهن ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهّرا طهّرهن وليس ذلك إلّا الله عز وجل المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزيّة فيما أعدّ لهم = [1] . ومن أمثلته كذلك رصد الفرق بين (يطهرن) و (تطهّرن) ففي الآية الكريمة رقم (222) يقول تعالى: {= وَلََا تَقْرَبُوهُنَّ حَتََّى يَطْهُرْنَ فَإِذََا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللََّهُ، إِنَّ اللََّهَ يُحِبُّ التَّوََّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ =} ويقول ابن كثير حتى (يطهرن) أي من (الدم) فإذا (تطهّرن) أي بالماء = [2] . إنّ هذه الارتباطات اللفظية المقاميّة تذكّرنا بآراء الدلاليّين ومنهم (جون لاينز) عن المقامات التي تستدعي ألفاظا معيّنة. والتي سبق ذكرها في الفصل الأوّل من هذه الدراسة. وفي المثال الأخير حدّد المقام (وكيفية حدوث الطهر ومرحلته) الصيغة المناسبة في الخطاب.
ويقارن المفسّرون بين مجيء الصيغ في السياقات التي تبدو متشابهة، ويحاولون التماس الفروق في الصيغ وسببها، ومن ذلك موازنة الرازي بين قوله سبحانه في سورة البقرة في الآية (49) {= وَإِذْ قُلْنََا =} وقال في الأعراف {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ =} في الآية (141) . والجواب = أنّ الله تعالى صرّح في أوّل القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام، ولأنّه ذكر في أول الكلام {= اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ =} ثم أخذ يعدّد نعمة نعمة، فاللائق بهذا المقام أن يقول = وإذ قلنا = وأمّا في سورة الأعراف مثلا فلا يبقى في قوله تعالى {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ =} إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة = [3] . إنّ هذا التفسير يحيلنا إلى مسألتين:
(1) الكشاف، 1/ 192.
(2) تفسير ابن كثير، 1/ 228.
(3) تفسير الرازي، 3/ 93.