فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 509

سورة يوسف، لا يخلّ أبدا بالاتّساق الداخلي في النصّ، ولكنّه يترك فراغات في تسلسل الحوادث في العالم الخارجي أو الواقعي، فيسارع المعرب إلى تقدير هذه المتسلسلات بما يضمن تماسكها ووصولها إلى البناء المكتمل الخالي من الثغرات. وانظر مثال ذلك في قوله تعالى: {= فَقُلْنََا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اللََّهُ الْمَوْتى ََ =} في الآية (73) ، قالوا في تقديرها = أي فضربوه ببعضها فحيي، وأخبر بقاتليه ثم خرّ ميتا، ويدلّ على صحّة الإضمار قوله: = {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ =} في الآية (74) (فقست) معطوف على (خرّ) = [1] . إنّ هاهنا ملاحظتين:

الأولى تتعلّق بما قلناه من سياق السرد وتواؤم البناء السردي، والثانية استشهاده بوقائع الآية التالية وهو لون من التماس الاتّساق عبر السياق اللّغوي. ومثل هذا الاستئناس في تقدير المحذوف بما يلي من الجمل الواردة بعد موضع الحذف كثير.

وانظر إلى هذا التقدير الذي لا يمكن أن يكون مأخوذا إلّا من خارج النصّ (أي من المقام) وذلك في قوله تعالى في الآية (97) {= قُلْ مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ =} وتقديره = فليمت غيظا = [2] . إنّ هذا من باب تقدير الجملة، ولكنّه مستلّ من العالم الخارجي الذي يحدّد علاقة المخاطب بالمخاطبين، وهم أعداء للرسالة ويضمرون لها الشرّ، فاستوحى المعرب هذا المعنى وقدّر المحذوف بحسبه. وتقدير المعنى الذي يحتمله النصّ، آلية أخرى من آليّات تقدير المحذوف، بل هي آليّة يستخدمها المعربون في توجيه النصّ ففي الآية الكريمة رقم (178) {= فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ =} قيل: = يجوز أن يرتفع (شيء) ب (عفي) أو بفعل محذوف يدلّ عليه قوله (عفي) لأنّ معناه ترك له شيء من أخيه، أي من حقّ أخيه ثم حذف المضاف، وقدّم الظرف الذي هو صفة للنكرة عليها فانتصب على الحال في الموضعين منها، وهذه الآية تجاذبها باب الجملة، وباب الإضافة وباب حذف حرف (الجر) وباب الحال =. [3] ومن تقدير المعنى المتّصل بالحذف والسياق تقدير المعربين لجواب (لو) في

(1) الزجاج، إعراب القرآن، ص 20.

(2) نفسه، ص 21.

(3) نفسه، ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت