وهذا شرح سياقيّ للألفاظ ودفاع عن تآلف السياق وعدم وجود الحشو فيه، وهو كذلك استئناس بحال المخاطب من حيث ما يعتمل في صدره وموقفه من خصمه.
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى في الآية (217) من سورة البقرة {= يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ، قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللََّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرََامِ وَإِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ =} قال مكيّ بن أبي طالب: = قوله تعالى = والمسجد الحرام = عطف على (سبيل الله) أي قتال في الشهر الحرام كبير، وهو صدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وقال الفرّاء: = والمسجد معطوف على الشهر الحرام، وفيه بعد لأنّ سؤالهم لم يكن عن المسجد الحرام، إنّما سألوا عن الشهر الحرام، هل يجوز فيه القتال؟ فقيل لهم: القتال فيه كبير الإثم، ولكنّ الصدّ عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، والكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله إثما من القتال في الشهر الحرام، ثم قيل لهم: = والفتنة أكبر من القتل = أي والكفر بالله عزّ وجل الذي أنتم عليه أيها السائلون أعظم إثما من القتل في الشهر الحرام الذي سألتم عنه وأنكرتموه فهذا التفسير يبيّن إعراب هذه الآية [1] =.
وأمّا النحّاس فقد قال في هذه الآية: = في المسجد الحرام عطف على الشهر، أي ويسألونك عن المسجد فقال تعالى: = وإخراج أهله منه أكبر عند الله، وهذا لا وجه له، لأنّ القوم لم يكونوا في شكّ منه عظيم، ما أتى المشركون المسلمين في إخراجهم من منازلهم بمكّة فيحتاجون إلى المسألة عند أهل كان ذلك لهم، ومع ذلك فإنّه قول خارج عن قول العلماء، لأنّهم أجمعوا أنّها نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي = [2] .
إنّ المعرب هنا استبعد وجها من الإعراب وهو عطف المسجد على الشهر الحرام، واتّكأ في هذا الاستبعاد على موقف الخطاب، حوار المتخاطبين، وأسئلتهم، وطبيعة ما أرادوه في السؤال، وغرض السؤال، ومعنى الجمل في الخطاب، فهو إذن مرتبط
(1) مكي بن أبي طالب القيسي (ت 437هـ) ، مشكل إعراب القرآن، تحقيق: ياسين محمد السواس، ط 1 دمشق، 1974، 1/ 95.
(2) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 308.