ويعدّ اتّساق الخطاب وتلاؤم أجزائه وتآلف عناصره من الأمور التي يعتمد عليها المعرب في قبول القراءة أو اعتبارها شاذّة، وهذا الاتّساق يشمل الوجهين الداخلي والخارجي (اتّساق النصّ مع سياق الحال) . ففي الآية (126) {= وَإِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ =}
في قراءة الحارث بن أبي ربيعة قال: = ومن كفر فأمتّعه قليلا ثم اضطرّه = قال أبو جعفر:
وهذا على السؤال والطلب، والأصل أضطره ثمّ أدغم ففتح لالتقاء الساكنين لخفّة الفتحة ويجوز الكسر قال أبو جعفر: = وهذه القراءة شاذّة ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلّان على غيرها أمّا نسق الكلام فإنّ الله عزّ وجل خبّر عن إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: = ربّ اجعل هذا بلدا آمنا = ثم جاء بقوله ولم يفصل بينه يقال، ثم قال: فكان هذا جوابا من الله عزّ وجل ولم يقل بعد (قال: إبراهيم) . وأمّا التفسير فقد صحّ عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمّد بن كعب، وهذا لفظ ابن عبّاس: دعا إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم لمن آمن دون الناس خاصّة فأعلم الله عزّ وجل أنّه يرقّ من كفر كما يرقّ من آمن، وأنّه يمتّعه قليلا ثم يضطرّه إلى عذاب النار، قال أبو جعفر: وقال الله عز وجل: {= كُلًّا نُمِدُّ هََؤُلََاءِ وَهَؤُلََاءِ مِنْ عَطََاءِ رَبِّكَ =} . وقال: = وأمم سنمتّعهم =. وقال أبو إسحاق: إنّما علم إبراهيم صلّى الله عليه وسلم أنّ في ذريّته كفّارا فخصّ المؤمنين لأنّ الله جل وعز قال له: {= لََا يَنََالُ عَهْدِي الظََّالِمِينَ =} [1] .
إنّ المعرب يدرك أنّ النص (متّزن) وهذا المصطلح أستعيره من علم الكيمياء، والاتّزان عندهم هو تآلف العناصر المكوّنة للمركّب بنسب متفاوتة، بحسب ما يحتاج هذا المركب ليحصل على خصائصه، وكذا فالنصّ اللّغوي يتّزن إذا تآلف سياقاه الداخلي والخارجي، وتآلفت عناصره وهي في مثالنا عنصر الموضوع داخل النصّ، وترتّب نسق الكلام من حيث الضمائر (ضمائر المتكلم، والغائب والمخاطب) وهي التي تعكس موقف الخطاب بين إبراهيم وربّه سبحانه حول ذلك الموضوع.
(1) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 261.