ويتدخّل سياق الحال في طبيعة العبارة واختياراتها ومكوّناتها، وكان المعربون يحاولون استنتاج الحال التي استدعت هذه الاختيارات اللغويّة داخل النص ففي إعراب الآية (145) {= وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتََابَ بِكُلِّ آيَةٍ مََا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ =} قال الأخفش:
= لأنّهم كفروا وقد تبيّنوا الحق فليس تنفعهم الآيات = [1] . وقال الفرّاء أجيبت (إن) بجواب (لو) لأنّ المعنى ولو أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية (ما تبعوا قبلتك) وكذا تجاب (لو) بجواب (إن) تقول: لو أحسنت أحسن إليك. ومثله: {= وَلَئِنْ أَرْسَلْنََا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا =} أي لو أرسلنا ريحا =. وقال أبو جعفر: هذا القول خطأ على مذهب سيبويه، وهو الحقّ، لأنّ معنى (إن) خلاف معنى (لو) يعني أن معنى إن يجب بها الشيء لوجوب غيره.
تقول: إن أكرمتني أكرمتك ومعنى (لو) أنّه يمتنع بها الشيء لامتناع غيره فلا تدخل واحدة منهما على الأخرى، والمعنى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية لا يتّبعون قبلتك.
وقال سيبويه: = المعنى: ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ليظلّن = [2] . إن المعنى المقصود من العبارة وطبيعة الخطاب وموقف الحال جعل الفرّاء يظن أنّ (إن) أجيبت بجواب (لو) ، ونفي سيبويه أيضا اعتمد على العناصر ذاتها فهنا نرى المعربين يدقّقون في عناصر النص اللغوية واختيارات المخاطب، ومقصودها وطبيعة استعمالها، وكلّها من آثار العلاقة بين النصّ والسياق.
ويتنبّه المعربون إلى بعض الاستعمالات وأنّها تليق في القرآن ولا تليق في سواه.
أو تليق في غير القرآن ولا تليق في القرآن باعتبار القرآن كلام الله ففي إعراب الآية (152) {= فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلََا تَكْفُرُونِ =} . قال النحاس: = فاذكروني = (أذكركم) فيه معنى المجازاة فلذلك جزم (ولا تكفرون) وهي نهي، فلذلك حذفت فيه النون وحذفت الياء لأنّه رأس آية وإثباتها حسن في غير القرآن [3] . ومثله في إعراب الآية (285) = كلّ آمن
(1) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 286.
(2) نفسه، 1/ 270.
(3) نفسه، 1/ 272.