المعرب يحرص على أن يكون إعرابه للنص تعزيزا للانسجام بين النص وسياقه الخارجي بكلّ ما فيه من حقائق مادية.
وانظر إلى استصحاب الحال في إعراب العكبري للآية (75) من سورة البقرة في قوله تعالى: {= لََا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللََّهَ =} قال: = وفيها من الإعراب أربعة أوجه والثالث أنّه في موضع نصب على الحال، تقديره، أخذنا ميثاقكم موحّدين، وهي حال مصاحبة، ومقدّرة، لأنّهم كانوا وقت أخذ العهد موحّدين، والتزموا الدوام على التوحيد، ولو جعلتها حالا مصاحبة فقط على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد أبدا ما عاشوا = [1] . إنّ المعرب هنا يصرّح بالصدور عن الحال المصاحبة في توجيه الإعراب، وتقدير النصّ بناء على هذه الحال. وهو ملحظ آخر من وجوه العلاقة بين النصّ والسياق.
ومثله أيضا توخّي حال المخاطب وذلك في قوله تعالى في الآية (114) : {= لَهُمْ فِي الدُّنْيََا =} قال العكبري = جملة مستأنفة وليست حالا مثل خائفين، لأنّ استحقاقهم الخزي ثابت في كلّ حال، لا في حال دخولهم المساجد خاصة =. [2] ومنه كذلك إعراب = حنيفا = حالا من إبراهيم، وقيل = حسن جعل (حنيفا) حال، لأنّ المعنى نتّبع إبراهيم حنيفا، وهذا جيد لأنّ الملّة هي الدين والمتّبع إبراهيم =. [3] وهنا يتفق الحمل على المعنى مع مراعاة وضع المخاطب مع مقصود الخطاب، مع منزلة المتحدّث عنه وهو إبراهيم.
وفي إعراب العكبري للآية (282) من سورة البقرة يتضافر أكثر من عنصر في تعضيد العلاقة بين النصّ والسياق. يقول العكبري = (أنّ تضلّ) يقرأ بفتح الهمزة على أنّها المصدريّة الناصبة للفعل، وهو مفعول له، وتقديره: لأن تضل إحداهما فتذكّر (بالنصب معطوف عليه) فإن قلت: ليس الغرض من استشهاد المرأتين أن تضلّ إحداهما، فكيف
(1) العكبري، التبيان في إعراب القرآن، 1/ 83.
(2) نفسه، 1/ 108.
(3) نفسه، 1/ 121.