بالدعوة في المدينة، وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة، فقد كان لليهود في يثرب مركز ممتاز سبب أنّهم أهل كتاب بين الأميّين من العرب، وساعد ذلك ما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام، فلمّا جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا، وأزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد، وكانوا يتطلّعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقّعوا دائما، فلما وجدوا الرسول يدعوهم إلى كتاب الله أخذتهم العزّة بالإثم، وعدوّا ذلك إهانة لهم، وشعروا بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقليّة الرابحة والربا المضاعف. لهذا كلّه وقف اليهود من الدعوة الإسلاميّة هذا الموقف الذي تصفه سورة البقرة في تفصيل دقيق. وكانت معجزة القرآن الخالدة أنّ صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كلّ أجيالهم، مما جعل القرآن يخاطبهم في عهد النّبي صلّى الله عليه وسلّم كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام، وعلى عهود خلفائه من أنبيائه باعتبارهم جبلّة واحدة، سماتهم واحدة وموقفهم من الحقّ والخلق واحد على مدار الزمان، ومن ثمّ يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى إلى خطاب اليهود في المدينة، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين.
وهذه السورة التي تضمّنت هذا الوصف وهذا التحذير، ذكرت كذلك بناء الجماعة المسلمة وإعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما، ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا.
أمّا داخل النصّ فنجد أن السورة تمضي على محورها بخطيّه الرئيسين إلى نهايتها، في وحدة ملحوظة تمثّل الشخصية الخاصّة للسورة مع تعدّد الموضوعات التي تتناولها. فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى: المتّقين، والكافرين، والمنافقين، وبعد الإشارة الضمنية لليهود الشياطين نجد دعوة الناس جميعا إلى عبادة الله والإيمان بالكتاب المنزّل على عبده، وتحدّي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله، وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنّة، ثم نجد التعجّب من أمر الذي يكفرون بالله = كَيْفَ تَكْفُرُونَ
بِاللََّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوََاتًا فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى ََ إِلَى السَّمََاءِ فَسَوََّاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} = (1) . وعند هذا المقطع الذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض: {= وَإِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلََائِكَةِ =} (2) .