وليس واقعة محدّدة، وهذا هو النصّ في محوريه: الآني والتعاقبي، وهذا ما ينطبق على آليات النصّ في الحديث عن الواقعة المحدّدة، ثمّ الانتقال بها إلى الآفاق الرحيبة من التعبير عن كل حالة مشابهة. ثمّ ينتقل النصّ إلى طرح مقولة أولئك اليهود على شكل استفهام كبير = ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها = وهي المسجد الأقصى، ويلاحظ أنّ صيغة الخطاب جاءت مليئة بالضمائر: التعبير عن المسلمين بضمير الغائب استبعادا وكرها، وإسناد القبلة للمسلمين = قبلتهم = رغبة في استمرار توجّههم لبيت المقدس، ويبدو في صيغة الآية كلّها عمليّة التشكيك وتغيّر المواقف بين (عن) و (كانوا) و (عليها) كنوع من التأثير النفسي على المسلمين. ثمّ يبدأ النصّ في علاج آثار هذا التساؤل والردّ عليه بتلقين الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما يواجههم به = قل: {لِلََّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ =} [1] .
إنّ النصّ يتوقّع اتهاماتهم، ولذلك جاء الأمر ب (قل) ، ثمّ المقول جملة اسميّة فيها تقديم وتأخير سببه الدلالة المركزية في العبارة وهي أنّ الجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها، إنّما يفضّلها ويخصّصها اختيار اله وتوجيهه ولذلك قدّم لفظ الجلالة مسبوقا باللام التي تدلّ على التملك والاختصاص (لله) ، والله الذي بيده الجهات هو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فإذا اختار لعباده وجهة، واختار لهم قبلة فهي إذن المختارة، وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم. أمّا علاقة الآية بما بعدها فإنّ الآيات الآتية تتحدّث عن حقيقة الأمّة الكبيرة في هذا الكون، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض، وعن مكانها العظيم ودورها الأساسي في حياة الناس ممّا يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصّة وشخصيّتها الخاصّة [2] . {= وَكَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى}
(1) سورة البقرة، الآية (142) .
(2) سيّد قطب، في ظلال القرآن، ص 36.