فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 509

الموضوعي الذي ينتظم الآيات الكريمة منذ مطلع السورة هو سياق (الهدى الضلالة) وفقا للرسم الذي أوضحناه قبلا، ومن حوله ثلاثة أنماط من المخاطبين، وعالج النصّ كلّ نمط بما يناسبه من الأدوات اللّغوية مع ملاحظة أنّ الحيّز الذي استغرقه رسم الصورة الثالثة قد جاء أفسح وأوسع وإزاء هذه الملاحظة يقول الأستاذ سيّد قطب رحمه الله: = ذلك أنّ كلا من الصورتين الأوليين فيه استقامة على نحو من الأنحاء، وفيه بساطة على معنى من المعاني الصورة الأولى: صورة النفس الصافية المستقيمة في اتجاهها، والثانية: صورة النفس المعتمة السادرة في اتجاهها، أمّا الثالثة فهي صورة النفس الملتوية المريضة المعقدة المقلقلة، وهي في حاجة إلى مزيد من الخطوط كيما تتحدّد وتعرف بسماتها الكثيرة، كما أنها توحي (الإطالة) بضخامة الدور الذي كان يقوم به المنافقون في المدينة لإيذاء الجماعة المسلمة = [1] .

وزيادة في الإيضاح يمضي السياق بضرب الأمثال لهذه الطائفة، ويكشف عن طبيعتها وتقلّباتها وتأرجحها {= مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللََّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لََا يُبْصِرُونَ} {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لََا يَرْجِعُونَ =} [2] .

إنّهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداء، ولم يصمّوا آذانهم عن السماع وعيونهم عن الرؤية، وقلوبهم عن الإدراك كما صنع الذين كفروا، ولكنّهم استحبّوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبيّنوه، لقد استوقدوا النار فلمّا أضاء لهم نورها لم ينتفعوا بها وهم طالبوها، عندئذ {= ذَهَبَ اللََّهُ بِنُورِهِمْ =} الذي طلبوه ثمّ تركوه، {= وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لََا يُبْصِرُونَ =} . إنّ النار هي الهدى الذي يعدّ الخيط الموضوعي الذي تنقسم حوله النماذج الثلاثة، وهم طلبوا الهدى وانظر (الزيادة) الدالّة على الطلب (استوقد) فلما جاء الهدى (اشتروا الضلالة بالهدى) أي اختاروا الظلام على النور والضوء، وعطّلوا جميع منافذ

(1) في ظلال القرآن، 1/ 46.

(2) سورة البقرة، الآيتان (1817) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت