الاستقبال، عطلوا الآذان والألسن والعيون التي هيّئت لتلقّي الأصداء والأضواء والانتفاع بالهدى والنور فهم {= صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ =} ، ونلاحظ هذا التكرير المعنوي لفكرة انعدام الهدى وانعدام النور:
{ذَهَبَ اللََّهُ بِنُورِهِمْ} {تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ} {لََا يُبْصِرُونَ} {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} . إنّ هذه الحزم الأربع تطرق على حقيقة واحدة، هي حقيقة انعدام الهدى فحين تفقد بوصلة الاتّجاه إلى الإيمان فإنّ النتيجة المحتومة {= فَهُمْ لََا يَرْجِعُونَ =} . ونلاحظ كيف أدّت هذه الكلمة البؤرة (الهدى) في هذا السياق إلى هذا التداخل العجيب بين حقيقة المشبه والمشبّه به، فهذا التشبيه التمثيلي يأخذنا في رحلة مع من طلب النار وأوقد، ثمّ يحطّ بنا عند المنافق الذي يستبدل الضلالة بالهدى، وجاءت الصورة ترفل بالحركة وتعجّ باللون (نار ووهج) ثمّ خفوت وسواد وظلام، مع التركيز على عنصر الجملة الفعلية، (استوقد أضاءت، ذهب، ترك، يبصرون =. وأمّا النتيجة فجاءت جملتين اسميتين: الأولى {= صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ =} وجاء الحذف فيها ليتركهم في منتهى الانقطاع والتخبّط، ومهما يكن تقدير الحذف فإنه قد تركهم معلّقين غارقين في تيههم. والثانية: {= فَهُمْ لََا يَرْجِعُونَ =} وجاء فيها الضمير(هم) ليردّ الحديث إلى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وكان هذا المثل كافيا ليصوّر حقيقة حالهم، ولكن زيادة في توضيح إصرارهم على اختيار الظلام فقد جاء بالصورة التالية ليصور ما في نفوسهم من حيرة وقلق وخوف {= أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمََاءِ =}
= إنّه مشهد عجيب، حافل بالحركة مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال وهول ورعب، وفيه أضواء وأصداء، إنّ الحركة التي تغمر المشهد كلّه من الصيّب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحظوات المروّعة الوجلة التي تقف عند ما يخيّم الظلام لترسم عن طريق التأثير الإيحائي مشهد التيه والقلق والأرجحة التي يعيشها المنافقون بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة ثمّ ينكصون عنه فجأة، بين ما يطلبون من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ظلام وضلال فهو مشهد حيّ يرمز لحالة نفسيّة
ويجسّم صورة شعورية = (1) . ولاحظ هذا التباين البعيد بين طلبهم للنار في المشهد السابق، ثمّ مشهد الصيّب في هذا المشهد، إن الصيّب هذا الخير الهاطل الذي يجلب معه الخضرة والغيث والفرح، ولا يرون فيه إلّا الجانب المخيف فقط: الظلمة والرعد والبرق، فهم يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، الخوف يعمي أبصارهم، إنّهم يستثمرون ضوء البرق فيمشون كلّما أضاء، ولكنّهم لا يربطون حركة البرق كضوء دالّ على الصيب وإنّما كمنفعة قريبة تضيء لهم بعض الطريق خلال تلك الظلمة فهم لا يستوعبون أنّ ضوء البرق عارض سريع الذهاب، وحين يظلم ترى حركتهم السريعة (قاموا) حركة ساذجة وصفقة خاسرة فالذي يمتلك الهدى يفهم حقيقة الصورة، ويعرف أين يكمن الضوء الحقيقي، وأن الاستفادة الحقيقية كانت من الصيّب وليست من البرق {= وَلَوْ شََاءَ اللََّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصََارِهِمْ =} . هنا إذن تشبيهان تمثيليّان يركّزان على مناطق مختلفة من شخصيّة أولئك المنافقين، الأوّل يرسم اختيارهم للضلال عن إصرار، والثاني يرسم خوفهم وتيههم واختيارهم للمنفعة القريبة الصغيرة على المنفعة الدائمة، ثمّ في النهاية ظلام بلا نهاية، وهذان التشبيهان مركّب استبدالي دلالي يسهم في إحداث الترابط بين مكوّنات النصّ.