فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 509

= إنّه مشهد عجيب، حافل بالحركة مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال وهول ورعب، وفيه أضواء وأصداء، إنّ الحركة التي تغمر المشهد كلّه من الصيّب الهاطل إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحظوات المروّعة الوجلة التي تقف عند ما يخيّم الظلام لترسم عن طريق التأثير الإيحائي مشهد التيه والقلق والأرجحة التي يعيشها المنافقون بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين، بين ما يقولونه لحظة ثمّ ينكصون عنه فجأة، بين ما يطلبون من هدى ونور، وما يفيئون إليه من ظلام وضلال فهو مشهد حيّ يرمز لحالة نفسيّة

ويجسّم صورة شعورية = [1] . ولاحظ هذا التباين البعيد بين طلبهم للنار في المشهد السابق، ثمّ مشهد الصيّب في هذا المشهد، إن الصيّب هذا الخير الهاطل الذي يجلب معه الخضرة والغيث والفرح، ولا يرون فيه إلّا الجانب المخيف فقط: الظلمة والرعد والبرق، فهم يضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، الخوف يعمي أبصارهم، إنّهم يستثمرون ضوء البرق فيمشون كلّما أضاء، ولكنّهم لا يربطون حركة البرق كضوء دالّ على الصيب وإنّما كمنفعة قريبة تضيء لهم بعض الطريق خلال تلك الظلمة فهم لا يستوعبون أنّ ضوء البرق عارض سريع الذهاب، وحين يظلم ترى حركتهم السريعة (قاموا) حركة ساذجة وصفقة خاسرة فالذي يمتلك الهدى يفهم حقيقة الصورة، ويعرف أين يكمن الضوء الحقيقي، وأن الاستفادة الحقيقية كانت من الصيّب وليست من البرق {= وَلَوْ شََاءَ اللََّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصََارِهِمْ =} . هنا إذن تشبيهان تمثيليّان يركّزان على مناطق مختلفة من شخصيّة أولئك المنافقين، الأوّل يرسم اختيارهم للضلال عن إصرار، والثاني يرسم خوفهم وتيههم واختيارهم للمنفعة القريبة الصغيرة على المنفعة الدائمة، ثمّ في النهاية ظلام بلا نهاية، وهذان التشبيهان مركّب استبدالي دلالي يسهم في إحداث الترابط بين مكوّنات النصّ.

وبعد استعراض هذه النماذج الثلاثة يرتدّ السياق في السورة نداء للناس كافة، وأمرا للبشريّة جمعاء أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة العاملة المهتدية المفلحة، صورة المتّقين {= يََا أَيُّهَا النََّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ =} . فهو عود على بدء إن جاز التعبير بدأت السورة بالمتقين، وهنا {= لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ =} . هذا نصّ تأتلف أجزاؤه وتتلاءم مع طبيعة الناس الذين تصوّرهم، وهذا ما نعنيه بالتلاؤم بين النصّ والمخاطبين، إنّنا أشرنا فيما سبق إلى مناسبة النص بالنظر إلى سياقه التداولي فالخطاب كما يصوّره (فان ديك) يرتبط بشكل نسقي مع الفعل التواصلي، والمكوّن التداولي هو

(1) في ظلال القرآن، 1/ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت