فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 509

وفي الآيات من (7449) يفصل الخطاب في النعم التي أجملت سابقا، وكيف استقبلوا هذه الآلاء وفي مقدّمتها نجاتهم من آل فرعون وخروجهم من مصر ناجين، والمنّ والسلوى، والقرية والاستسقاء والسبت وقصة البقرة، وكان هذا التفصيل ضروريّا هنا لكشف حقيقة بني يهود وليفتح عيون المسلمين على المكائد التي توجّه إلى مجتمعهم الجديد، ويلاحظ أن الضمير المستخدم هنا بقي للمخاطب {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ} {يَسُومُونَكُمْ،} {يُذَبِّحُونَ} {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ =} مع أنّ الحديث عن أجدادهم، وسبق أن أوضحنا هذا من أنّ الطباع لم تتغير عبر أجيالهم، ثمّ إنّ النعم التي نزلت على

أجدادهم قد توارثوها فهي لهم، وقصة النجاة من فرعون جاءت هنا سريعا، باعتبار أنّ تفصيلات هذه النجاة قد وردت في السور المكيّة فهي هنا مجرد تذكير لقوم يعرفون القصّة.

ونقف قليلا مع هذا المقطع من النص فالله سبحانه يعيد على خيالهم ويحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ =} [1] .

واختيار كلمة (يسومونكم) ، وهي من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى أبدا، ذو دلالة خاصة، وكأن العذاب هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إيّاه، ثمّ يخصّص لونا من هذا العذاب بالذكر هو تذبيح الذكور واستحياء النساء كي يضعف ساعد بني إسرائيل.

ونلاحظ استخدام = إذ = الظرفيّة التي تنقل بني إسرائيل من لحظتهم الحاضرة في عهد رسول الله في المدينة المنورة إلى ذلك الزمن الغابر أيّام سيدنا موسى عليه السلام، وكأنّها مشاهد حيّة تبثّ بثّا مباشرا أمام أعينهم، وهذه المراوحة بين الماضي والحاضر مقصودة باعتبار أنّ أفعالهم ما زالت مستمرة، ونجدها داخل النص من خلال المراوحة بين الماضي والمضارع، فالآيات تبدأ بالماضي {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ =} ثمّ بعد ذلك تنقل إلى مجموعة من الأفعال المضارعة (يسومونكم، يذبّحون، يستحيون) ثمّ يأتي بالماضي (وإذ فرقنا) وتختم اللوحة بالمضارع {= وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ =} . بعكس اللوحة التالية من لوحات الخطاب المباشر مع بني إسرائيل، والتي تمضي قدما مع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين فكل الأفعال الواردة فيها تأتي بالماضي {= وَإِذْ وََاعَدْنََا =} ، {= ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ =} ، {= ثُمَّ عَفَوْنََا =} = {وَإِذْ قََالَ مُوسى ََ =} ، {= ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ =}

{= فَتََابَ عَلَيْكُمْ} =، واشتملت على بعض أفعال الأمر = فتوبوا = = فاقتلوا =. ونصبح وجها لوجه أمام ذلك الزمن الغابر مباشرة، وكأنّنا نعيش مع سيّدنا موسى عليه السلام بكلّ تفاصيل ما حصل آنئذ. وتتكرّر هذه الملاحظة فيما يلي من اللوحات إذ جميعها تتراوح بين الماضي والأمر، باستثناء بعض الأفعال التي جاءت مع أداة الترجّي مثل: {= لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ =} و {= لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ =} و {= لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ =} والحكمة فيه واضحة، فهذه الأفعال لم تقع أبدا وكانت مجرّد ترجّ منهم، لكنّهم خذلوا هذا الرجاء، ووقعوا في نكث العهد وتنكّب

(1) سورة البقرة، الآية (49) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت