الهدى، ولم يعملوا عقولهم إلّا في الشرّ، وباستثناء اللوحة التعقيبيّة الأخيرة في هذا المقطع، والتي هي تعقيب عام لكلّ زمان ومكان {= كَذََلِكَ يُحْيِ اللََّهُ الْمَوْتى ََ وَيُرِيكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ =} [1] . و {= وَإِنَّ مِنْهََا لَمََا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمََاءُ وَإِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللََّهِ وَمَا اللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ =} [2] . ليعود الخطاب بعدها إلى الواقع الحيّ المشاهد، حيث تخوض الجماعة المسلمة معركتها مع بني إسرائيل من جديد.
وفي مطلع كلّ لوحة من لوحات الإنعام السابقة ظلّت (إذ) الناقلة للمشهد عبر الزمان والمكان تتكرّر مرّات عديدة، {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ =} ، و {= وَإِذْ فَرَقْنََا =} ، و {= وَإِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى ََ =} ، و {= إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا =} و {= إِذِ اسْتَسْقى ََ =} ونجد تكرارا آخر في قوله {= وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} = وردت في الآية (50) ، والآية (55) . ثم ذكر التوبة بتشكيلاته المختلفة (فتوبوا، فتاب، التوّاب) وقوله { (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) } تكرّرت في الآيات (52) و (56) وكذلك ورد في الآية (49) {= وَإِذْ نَجَّيْنََاكُمْ =} وفي الآية (50) فأنجيناكم. فالتكرير بمعنى إعادة عنصر معجمي أو مرادف له من أدوات التضام في نموذج هاليداي ورقيّة حسن، وهو يساهم في النصية والاتساق. كما أنّ من عناصر النصية والاتساق في هذا المقطع إيراد الخطّ الدلالي الناظم للآيات وهو خطّ الهدى، وقد ارتبط هنا بالكتاب والفرقان {= وَإِذْ آتَيْنََا مُوسَى الْكِتََابَ وَالْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ =} في الآية (51) وفي الآية (70) {= وَإِنََّا إِنْ شََاءَ اللََّهُ لَمُهْتَدُونَ =} .
وإذا اقتربنا من النص أكثر لننظر كيف تواءم مع المخاطب وهو بني إسرائيل فسنجد أن هذا التواؤم قد ظهر في عنصر الهدف. فغرض النص هو دعوة أولئك إلى طريق الهدى وألّا يختاروا الصفقة الخاسرة، ولذلك فإنّ النص يراوح بين التذكير بالأنعام العديدة وتوالي العفو بعد العفو، والتوبة بعد التوبة من غير طائل. إنّ نفوسهم كانت دوما تعود إلى الإفساد، ولذلك فاختيار الألفاظ جاء مناسبا لتذكير أقسى القلوب، فالسوم، والتذبيح،
(1) سورة البقرة، الآية (73) .
(2) سورة البقرة، الآية (74) .