فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 509

مصطلحهم، واتّخاذه على الحذف خاصّة أصل متواتر في كتبهم، ومنه قولهم للمرتحل:

راشدا مهديّا، ومصاحبا معانا، بإضمار (اذهب) . إنّ مقايسة الحقيقة اللّسانيّة بالحقيقة الكونيّة الخارجيّة هي الامتداد النهائي لهذا الأصل عند النحاة، وهي ملحظ قائم لديهم وقد صرّحوا به في غير موضع، كما احتفوا بالمواضع المتّفقة بين النظام اللّساني، ونظام الوجود الخارجي، فاعتبروا مثلا المؤنّث الحقيقي أقوى من المؤنث المجازي [1] .

إنّ النّظام اللّغوي في الأصل يقتضي وجود أطراف يجمعها إسناد ظاهر أو مقدّر، لكنّ التطبيق اللّغوي قد يسقط أحدها اعتمادا على دلالة القرائن المقاليّة، أو الحاليّة، وقد يحرص هذا التطبيق على إبرازها لتدلّ في موضعها دلالة لا تتحقّق بغيابها، ويضع سيبويه إشارات دقيقة لأثر الحذف في الدلالة، واتّصال هذا الأثر بطبيعة المبدع أحيانا، واتّصاله بطبيعة المتلقّي أحيانا أخرى، بل إنّه أشار إلى وجود سياق بارز لهذا الحذف عند ذكر الديار حتّى أصبح من طبيعة كلام العرب، كقول ذي الرمّة:

ديار ميّة إذ ميّ مساعفة ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب

= كأنّه قال: اذكر ديار ميّة، لكنّه لا يذكر (اذكر) لكثرة ذلك في كلامهم.

واستعمالهم إياه، ولما كان فيه من ذكر الديار قبل ذلك = [2] ومن العرب من يرفع (الديار) كأنّه يقول: تلك ديار فلانة قال الشاعر:

اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل

ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكلّ جيران سار ماؤه خضل

ومثله لعمر بن أبي ربيعة

دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا

(1) نهاد الموسى، الأعراف ص 14.

(2) سيبويه (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر [ت 180هـ] ، الكتاب، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون / ط 1، دار الجيل / بيروت / 1966، 1/ 280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت