إنّ ظلمهم واقع أمّا عودهم إلى الشكر والطاعة فموضوع رجاء، وكما جاء اتخاذ العجل (من بعده) فقد جاء العفو من (بعد ذلك) . وفي مقابل الفئة الوضيئة { (أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) } في أول السورة نجد هنا { (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) } وفرق شاسع بين التعبيرين، مع أن الهدى في كلا الموضعين جاء مرتبطا بالكتاب.
ونلاحظ كذلك أنّ موسى عليه السلام قد راعى في خطابه لهم البعد النفسي والعقلي والإدراكي، وواجههم بخطاب متّزن مناسب لواقع حالهم:
{= يََا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخََاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى ََ بََارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بََارِئِكُمْ =} . [1] ونجد هذا الخطاب يتّخذ أساليب عديدة أوّلها التحبّب والتقرّب {= يََا قَوْمِ =} ليصل الخطاب إلى قلوبهم مباشرة، ثمّ تأتي {= إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ =} وفيها إشارة لواقع حالهم عند ما اتّخذوا قرار عبادة العجل، والجملة مؤكّدة لتناسب الإصرار على تنكّب الهدى في نفوسهم، والفاء الدالّة على التعقيب تخبر أنّ حالهم لا يحتمل التأجيل، واختيار صفة البارئ من صفات الله تعالى مضافة إلى الضمير الدالّ عليهم، فيها ضرب من التعنيف والتوبيخ وإشارة إلى إحيائهم بعد ذلك البلاء العظيم، ويتبدى عنصر المناسبة كذلك هنا في ذكر التوبة فقد جاءت بصيغة الأمر = {فَتُوبُوا =}
وذكر توبة الله التي عبّر عنها بصيغة المبالغة المسبوقة بضمير الفصل {= إِنَّهُ هُوَ التَّوََّابُ الرَّحِيمُ =} . معاتبات متلاحقة، وتوبيخ مستمر، وتذكير متّصل. ثمّ يمضي الحوار. وفي مقابل {= وَإِذْ قََالَ مُوسى ََ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ =} تأتي {= وَإِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسى ََ =} ، وفي مقابل قوله {= فَتُوبُوا =} جاء قولهم: {= لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اللََّهَ جَهْرَةً =} ولذلك جاء التعقيب سريعا {= فَأَخَذَتْكُمُ الصََّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ =} ، وفيها تكرير للجملة الواردة في مشهد الإنجاء حين أنجاكم {= وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ =} وفي مقابل (حتّى) التي تحدّد الغاية الزمانيّة التي انتهى إليها طلبهم وهي رؤية الله
(1) سورة البقرة، الآية (54) .