فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 509

فيرفعهم من المهانة والضعة، وفي هذا المشهد نراهم يطلبون العودة إلى العدس والثوم والبصل بعد أن أبدلهم الله به المن والسلوى والرخاء والدعة، ولقد تلقّى موسى طلبهم بالاستنكار {= أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى ََ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ =} [1] . ونلاحظ استخدامه كلمة (الذي) مرّتين في هذه الجملة بدلا من الأسماء الصريحة مزيدا في الاستهجان، ولذلك سارع إلى القول: {= اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مََا سَأَلْتُمْ =} [2] . و (اهبطوا) تناسب الهبوط من المكانة العلية إلى المكانة الدنيّة. ونلاحظ أنّه لم يطلب من الله ذلك وإنّما أمرهم به مباشرة، إمّا بمعنى أنّ ما يطلبونه هيّن زهيد لا يستحقّ الدعاء فهو موفور في أيّ مصر من الأمصار، وإمّا بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها، عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة الخانعة الذليلة حيث تجدون العدس والبصل والثوم، ودعوا الأمور الكبار، ويكون هذا من موسى تأنيبا وتوبيخا ويرجّح هذا ما أعقبه السياق من قوله تعالى:

{= وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللََّهِ =} [3] . ومعلوم أنّ ضرب الذلّة والمسكنة على بني إسرائيل لم يكن من الناحية التاريخيّة في هذه المرحلة من تاريخهم إنّما كان فيما بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها {= ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانُوا يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اللََّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ =} [4] . وقد وقع هذا فيهم متأخّرا بعد عهد موسى بأجيال، وإنّما عجّل السياق بذكر الذلّة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والثوم ويمضي السياق ليستعرض مواقفهم ففي الآية {= وَإِذْ أَخَذْنََا مِيثََاقَكُمْ وَرَفَعْنََا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ =} [5] . نلاحظ التناسق النفسي والتعبيري هنا

(1) سورة البقرة، الآية (61) .

(2) سورة البقرة، الآية (61) .

(3) سورة البقرة، الآية (61) .

(4) سورة البقرة، الآية (61) .

(5) سورة البقرة، الآية (63) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت