منهم، وبعد أن يبيّن لهم تفاصيل تلك البقرة يعقبه بنصيحة آمرة حازمة {= فَافْعَلُوا مََا تُؤْمَرُونَ =} . ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية، ولكنهم واصلوا طلب التفصيل فضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار. وانظر إلى هذا التعبير عن لجاجتهم وتلكّؤهم حين سألوه مرّة أخرى {= إِنَّ الْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا وَإِنََّا إِنْ شََاءَ اللََّهُ لَمُهْتَدُونَ =} [1] . هنا فقط وبعد أن تعقّد الأمر وتضاعفت الشروط قالوا: {= الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ =} وكأنّما كان من قبل ليس حقّا {= فَذَبَحُوهََا وَمََا كََادُوا يَفْعَلُونَ =} [2] . وهذه القولة ستبقى رمزا لكلّ تسويف ونكث والتواء فنفوسهم تحنّ للنكوص والنكث ولمّا كان الغرض من ذبح البقرة هو الاختبار، فقد جاء الطلب والمواصفات ابتداء ولم يكشف لهم الهدف من التكليف إلّا في خاتمه القصة، وهو إحياء القتيل ليكشف عن قاتله. وفي هذا الموضع بالذات يتغيّر السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة، فقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة فلم كانت هذه الوسيلة والله قادر على إحياء القتيل بلا وسيلة؟ ثمّ ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث؟ أنّ ذبح البقرة موت، وإحياء القتيل حياة، لقد أراد الله أن يعلّمهم أنّ بيده الموت والحياة وجاء تأخير هذا الكشف اختبارا لمدى التسليم والاستجابة والطاعة، ولقد تتابع الحوار في عرض القصّة بين موسى وقومه، ولا يذكر السياق تفاصيل ذلك، ولا يقول في الخاتمة إنّ موسى سأل ربّه، ولا إنّ ربّه أجابه، = وهذا السكوت هو اللائق بعظمة الله التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل.
وتنتهي القصّة بمباغتة في الخاتمة. فقد بوغت بنو إسرائيل حين انتفض القتيل حيّا يخبر عن قاتليه، ومع أنّ المشهد الأخير من القصّة كان من شأنه أن يستجيش في قلوبهم الحساسية والخشية إلّا أنّ التعقيب يأتي مخالفا لكلّ ما يتوقّع ويرتقب = [3] . = {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ}
(1) سورة البقرة، الآية (70) .
(2) سورة البقرة، الآية (71) .
(3) في ظلال القرآن، 1/ 103.