ذلك اليوم ذي العذاب العظيم بعدة ألوان أسلوبية وذلك أدعى لزيادة ألم الحسرة الأسلوب الأول هو التمني باستخدام الأداة (لو) {= لَوْ أَنَّ لَنََا كَرَّةً =} وما فيها من ندم وحسرة وألم. والأسلوب الثاني، أسلوب التصريح المباشر بلفظ الحسرة {= كَذََلِكَ يُرِيهِمُ اللََّهُ أَعْمََالَهُمْ حَسَرََاتٍ عَلَيْهِمْ =} . وعبر فعل (يري) تتحول الأعمال التي عملوها إلى حسرة، وتصب هذه الحسرة عليهم فيزدادون وجعا وألما. إن النص يعالج صلفهم وغرورهم بنقل مشهد الحسرة نقلا مباشرا عن طريق ذلك الحوار الحي، ويريهم بأعينهم ذلك المآل المصير، ثم فوق هذا تأتي الجملة الخبرية { (وَمََا هُمْ بِخََارِجِينَ مِنَ النََّارِ) } ، وسبقت الإشارة إلى دلالة (ما) النافية مع الباء المزيدة من توكيد النفي وتضخيمه، ليضع في روعهم أنّ فكرة الخروج ليست واردة أبدا، وضمير الفصل الدال على الغائب في قوله (هم) له دلالته كما هو الحال في (أعمالهم) و (عليهم) ، مع أنّ الحوار ابتدأ مباشرا حيّا، وتعرض سور أخرى تفاصيل هذا الحوار.
وحين يجابههم الخطاب بالدعوة إلى الإيمان يضربون عن هذه الدعوة بالاتّكاء على مقولة لا تثبت أمام دعوى العقل: {= وَإِذََا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مََا أَنْزَلَ اللََّهُ قََالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مََا أَلْفَيْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا أَوَلَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لََا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلََا يَهْتَدُونَ =} [1] .
وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه، أو كانوا اليهود الذين يصرون على ما عندهم من مأثور آبائهم، فالآية تندد بتلقي شيء في أمر العقيدة من غير الله، وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك، ولذلك يأتي الاستنكار سريعا {= أَوَلَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لََا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلََا يَهْتَدُونَ =} . ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا صاح بها راعيها
(1) سورة البقرة الآية (170) .