ذلك يبين لهم المحرمات من المآكل نصا وتحديدا باستعمال أداة القصر (إنما) . {= إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللََّهِ =} [1] . ونلاحظ أن الضمير جاء مباشرا (عليكم) بعكس الخطاب مع غيرهم (حسرات عليهم) . ويرتبط الحديث عن الحلال والحرام بما سبقه وما لحقه فقبله يأتي الحديث عن العبادة وخلوصها لله عز وجل {= إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ =} ، وبعد آية التحريم تأتي الحديث عن اليهود وكتمانهم بعض ما أنزل الله في الكتاب، والعلاقة هي أن التحليل والتحريم له علاقة بالعقيدة والعبادة، فالطيب ما رآه الشرع طيبا والخبيث ما رآه خبيثا، ومن ثم فإذا اضطر العبد لشيء من ذلك الخبيث أو الممنوع يأتي فاصلة الآية مناسبة {= إِنَّ اللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ =} . ولقد جادل اليهود جدالا كثيرا حول ما أحله القرآن وما حرمه، فقد كانت هناك محرمات على اليهود خاصة وردت في سورة أخرى [2] ، فيما كانت هذه مباحة للمسلمين، ولعلهم جادلوا في هذا الحل ومن ثم نجد حملة قوية على الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب {= إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مََا أَنْزَلَ اللََّهُ مِنَ الْكِتََابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولََئِكَ مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النََّارَ، =} . [3] . وتنسيقا للمشهد في السياق فقد أطعمهم في بطونهم نارا، وكأنما هذا الذي يأكلونه من ثمن الكتمان والبهتان نار في بطونهم وتعبير آخر موح {= أُولََئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلََالَةَ بِالْهُدى ََ وَالْعَذََابَ بِالْمَغْفِرَةِ =} [4] ، وهي الصفقة ذاتها التي مضت قبلا، صفقة الهدى والضلالة التي تمايز بين أصناف المخاطبين في هذه السورة. وأخيرا وفي
(1) سورة البقرة، الآية (173) .
(2) الآية هي: {= وَعَلَى الَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمََا إِلََّا مََا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا أَوِ الْحَوََايََا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ =} سورة (الأنعام) ، الآية (146) .
(3) سورة البقرة، الآية (174) .
(4) سورة البقرة، الآية (175) .