ويتميّز حازم القرطاجنيّ عن البلاغيّين بنظرة أشمل للنصّ، فهو يقسّم القصيدة إلى فصول (والفصل بيتان من الشعر إلى حدود أربعة أبيات تتضافر لأجل إيصال معنى معيّن) ، ووضع لهذه الفصول أحكاما في البناء تضمن تماسك الفصل، وتماسك الفصول يؤدّي إلى تماسك النص فهو يصف مواد الفصل (الموضوع والألفاظ) بأنّها يجب أن تكون = متناسبة المسموعات والمفهومات، حسنة الاطّراد، غير متخاذلة النسج، غير متحيّز بعضها عن بعض التميّز الذي يجعل كلّ بيت كأنّه منحاز بنفسه = [1] . ففي هذه المواصفات حديث دقيق عن الترابط والنسج والاتّصال والتناسب وهذه كلّها من مظاهر الاتّساق الداخلي، ومن جهة أخرى فهو يشترط أن يكون نمط نظم الفصل مناسبا للغرض تعتمد فيه الجزالة في الفخر، والعذوبة في النسيب وهذا مرتبط بالمبدإ البلاغي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فالغرض من الخطاب يؤثّر في الأسلوب أو يؤثر في اختيار الألفاظ، ويجب أن تكون العلاقة بين الغرض (الهدف) و (الموضوع) والتعبير علاقة انسجام، وهذه العلاقة يحكمها مبدأ تداولي ساهمت في صياغته تقاليد اجتماعيّة وأعراف سنّتها أجيال واحتفظت بها أخرى.
ولا ريب أنّ لثقافة الشاعر وفكره الدور الأكبر في الجمع بين أطراف هذه المعادلة جميعا: المقام، الموضوع، الأسلوب، التعبير وهو ما أطلق عليه القرطاجنيّ (بالقوّة الحافظة والقوّة المائزة) وهما قوّتان يستطيع من خلالهما الكاتب أن يميّز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم ذلك، وما يصحّ وما لا يصحّ [2] . وصناعة القصيدة عنده غالبا ما تخضع لاعتبارات تداوليّة ومنها رغبات القارئ فالشاعر يجب أن يقدّم في الفصول ما يكون = للنفس به عناية إذا سيق وفق الغرض المقصود بالكلام، ويتلوه الأهمّ فالأهمّ والنفوس تتغيّر وما يكون لنفس به عناية يختلف عما به عناية لنفس
(1) حازم القرطاجنيّ، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة. تونس / دار الكتب الشرقيّة / 1966، ص 63.
(2) نفسه، ص: 29.