الفصل والوصل بلاغيّا، فالجرجاني ينظر إلى حالتي فصل الجمل ووصلها انطلاقا من المفرد معمّما أساسه على الجمل وصلا وفصلا، وحين ينفلت عطف الجملتين من قاعدة المفرد يجتهد لتبريره بمبدإ غير نحوي، وأمّا الأساس الثاني الذي ينطلق منه، فهو مجموعة من المبادئ المعنويّة مثل معنى الجمع، والتضامّ النفسي بين الجملتين، والتضامّ العقلي، ومن الأسس كذلك قياس العطف على الشرط والجزاء، وكذلك التأكيد وهو رابط غير شكلي، ووفقا له يعدّ تأكيد جملة لأخرى وسيلة مهمّة من وسائل الخطاب رغم أنّ كيفيّة الاتّصال معنويّة غير معتمدة على رابط شكلي. ومن أمثلته في القرآن الكريم الآية من سورة لقمان: {= وَإِذََا تُتْلى ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا وَلََّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهََا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا =} [1] .
فإنّ التشبيه الثاني لم يعطف على الأوّل = لأنّ المقصود من التشبيه هو التوكيد = [2] . فهذا هو الرابط في نظر الجرجاني، ومن المبادئ الأخرى التي تحكم فصل الخطاب أو وصله هو صيغة ذلك الخطاب. فإذا كانت الصيغة متماثلة حكاية أو خبرا وصل، وإن كانت غير متماثلة فصل.
ومن دواعي فصل الكلام عن كلام آخر سابق وجود سؤال مقدّر غير متجلّ في سطح الخطاب، والذي يدعو إلى تقدير هذا السؤال هو بناء الخطاب على شكل زوج مكوّن من سؤال مقدّر وجواب ظاهر، ومن أمثلته في القرآن الكريم: {= قََالَ فِرْعَوْنُ وَمََا رَبُّ الْعََالَمِينَ قََالَ رَبُّ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَمََا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قََالَ لِمَنْ حَوْلَهُ =} [3] . يقول الجرجاني: = وجاء ذلك والله أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين = [4] . وغنيّ عن البيان أنّه لم يربط رابط شكليّ ما بين
(1) سورة لقمان، آية 7.
(2) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص: 179.
(3) سورة الشعراء، الآيات (2926) .
(4) دلائل الإعجاز، ص 186.