إنّ ما ينقله هذا البيت هو ظنّ سلمى أنّ صاحبها يحبّ أخرى، ولكنّه في الحقيقة لا يحبّ إلّا سلمى، وقوله (أراها في الضلال تهيم) نفي لظنّها، وردّ لاتّهامها إياه لذلك قطع (أراها) عن الكلام السابق والداعي لهذا القطع هو أمن اللّبس [1] . ومن الأسس الأخرى التي يستند إليها السكّاكي في مقامات الفصل هو ما يطلق عليه داعي الإيضاح، وهو أن يكون في الكلام السابق نوع خفاء، والمقام مقام إزالة له [2] . ومن المبادئ المهمّة التي يركّز عليها السكّاكي في الفصل والوصل مجموعة من المبادئ التداوليّة، ومن أبرزها في مقام الفصل: تقدير السؤال وهو يشابه تحليل الجرجاني له من حيث وجود جواب ظاهر لسؤال مقدّر، وأمّا دواعي تقدير السؤال عند السكّاكي فيقول عنها: = إنّ تنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلّا لجهات لطيفة:
* إمّا لتنبيه السامع على موقعه.
* أو لإغنائه أن يسأل.
* أو لئلّا يسمع منه شيء.
* أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه.
* أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ. [3]
ويلاحظ أنّ الجهات الثلاث الأولى اعتبارات تتعلّق بالسامع، ويمكن إجمالها في ثلاثة: تنبيه السامع، وإغناء السامع، وإسكات السامع، وأمّا الرابع فيتعلّق بسلطة المتكلّم وتنبئه بإمكان إثارة الكلام المقول استفهاما في ذهن السامع، فيبادر إلى الجواب قبل السؤال لضمان الاستمرار في الكلام (الكلام نفسه) أمّا الاعتبار الخامس فيتعلّق بالخطاب نفسه.
ومن المبادئ التداوليّة كذلك اختلاف الأفعال الكلامية، كأن تشتمل الجملة الأولى على (خبر) والثانية على طلب، أو العكس. فهنا يجب الفصل. وفي حالة مختلفة قد
(1) السكّاكي، المفتاح، ص 110.
(2) نفسه، ص: 111.
(3) نفسه.