بحرير التمييز، وكما أنّ الرمد قذى العين كذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللّكنة بحيل البلاغة، وأجل رمض الغفلة ببرود اليقظة = [1] .
هذا المثال وإن كان ساقه السكّاكي للحديث عن الفصل والوصل فهو في صلب قضيّة السياق والمقام وسياق الثقافة فالمتكلّم يغترف من وعائه الثقافي (سياق الثقافة) وهنا يتبدّى هذا السياق في طبيعة المهنة، وطبيعة اللّغة الخاصّة التي يستخدمها أرباب المهن والحرف المختلفة، وكيف يتمّ التفاهم وفق شيفرة خاصّة تترجم عبر السياق الثقافي، ولو لم نعرف أنّ هذا صيرفي، وهذا كحّال، وهذا جوهري، لما أمكننا أن نضع عبارات كل منهم في موضعها الصحيح من التأويل، فاللّغة جزء لا يتجزّأ من سياق الثقافة، والتفاهم والتواصل يحصل عبر (كودات) خاصة توفّرها هذه الثقافة إن جاز التعبير واختلاف الحال هذا أدّى إلى اختلاف المقال. ومثال آخر يسوقه السكّاكي يتمحور حول ثلاثة أشخاص، مهنهم مختلفة، نظمهم سلك الطريق، وافتقدوا البدر، وبينما يتخبّطون في الظلماء، طلع البدر عليهم فطفق كل منهم يصفه، وإذا شبّهه شبّهه بأفضل ما في خزانة صوره:
فالسلاحيّ يشبّهه بالترس المذهّب يرفع عند الملك.
والصائغ يشبّهه بالسبيكة من الإبريز تفترّ عن وجهها البوتقة.
والمعلّم يشبّهه برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة [2] .
ولا يحتاج المثال إلى تعليق كبير فهو بسابقه شبيه. والسكّاكي في المثالين السابقين يبرهن عن اختلاف الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتّبا ووضوحا، وذلك لاختلاف الأسباب المؤدّية إلى ثبوتها، ومنها ارتباط إنتاج الخطاب ونوعية ذلك الإنتاج بالنشاط الذي يمارسه الإنسان في حياته اليومية. وفي مثال ثالث يقوم السكّاكي بتحليل خطاب قرآني،
(1) السكّاكي، ص 111.
(2) نفسه، ص 111.