فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 509

مفترضا متلقّيين أحدهما من (أهل المدر) والآخر من (أهل الوبر) ، والآيات هي {= أَفَلََا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمََاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبََالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ =} [1] . في هذا المثال لدينا خطاب قرآني عناصره: الإبل والسماء والأرض والجبال، وأفعال هي: الخلق، والرفع والسطح. ولدينا متلقّيان حضريّ وبدويّ أمام هذا الخطاب فالحضري لا يستطيع خياله أن يجمع صور هذا الخطاب بشكل متّسق، إذ كيف تجتمع عنده الإبل مع السماء والأرض والجبال؟ ولذا فإنّه سيحكم على هذا الخطاب بأنّه غير منسجم، وأنّ نسقه غريب معيب، وأمّا البدوي فمطعمه وملبسه ومشربه من المواشي وخاصّة الإبل وهي أنفعها لديه، ثم إذا كان انتفاعهم بما لا يتحصّل إلّا بأن ترعى وتشرب كان جلّ مرمى غرضهم نزول المطر، وأهمّ مسارح النظر عندهم السماء، والجبال لهم مأوى، إنّ البدويّ لا يستغرب هذا العدّ، ولا هذا الترتيب لأنّ صورة الإبل والسماء والجبال متقارنة في خياله مجتمعة متعالقة في خزانة صوره، ولذا فسيحكم على هذا الخطاب بأنّه منسجم. فهذا الجزء من حديث السكّاكي خاضع لاعتبارات اجتماعيّة، ثقافيّة، وليس بسبب اعتبارات أملاها الخطاب.

إنّ نوع المتلقّي ودوره أساسي في فهم الخطاب وإحداث انسجامه، ووقوف السكّاكي عند (الجامع الخيالي) بهذا الحشد من الأمثلة يشعرنا بأنّه مختلف عن الجامعين الأوّلين (الوهمي والعقلي) ، فهذا الجامع أكثر ارتباطا بسياق الثقافة والسياق الاجتماعي.

ويشير إلى هذا الجانب الاجتماعي بقوله: (ولمّا لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر = [2] . ويفهم من كلام السكّاكي أهميّة التجربة الشخصيّة السابقة، ونمط الحياة التي يمارسها الشخص المواجه للخطاب، ومن ثمّ فإنّ كلّ خطاب جاء وفق ما هي

(1) سورة الغاشية، الآيات (2017) .

(2) السكّاكي، المفتاح، ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت