عليه الصورة في خيال المتلقّي اعتبره السكّاكي منسجما، وكلّ خطاب جاء على خلاف ذلك اعتبره غير منسجم.
وقد تناول البلاغيّون بالدرس والتحليل مجموعة من سياقات الكلام، ومنها سياق الحذف والذكر، وقد أوردنا مسألة الحذف والذكر في ميدان النحو، وأمّا في الدرس البلاغي وهو لا يبتعد كثيرا فيمكن إدراك القيمة الحقيقيّة لسياق الذكر والحذف من خلال السياق الأعمّ كسياق الإطناب أو التطويل، أو الإيجاز، وقد تناول عبد القاهر الجرجاني هذه السياقات في جانبها التطبيقي دون تعيين محدّد كما فعل البلاغيّون بعده وحاول رصد المجال الذي لاحظ فيه أنماط الحذف، وربط ذلك بنظريّته في النظم، ونجد عنده ربط نسق الذكر والحذف بطبيعة المتكلّم في تحليله لقوله تعالى: (وأسأل القرية) .
ويرى أنّ فهم الحذف فيها يعود إلى غرض المتكلّم، فلو كان المتكلّم خارج سياق النّص القرآني لاختلف الفهم، ولكن لأنّها جاءت في معرض الوعظ والتذكير فإنّها تفضي إلى فهم مختلف [1] .
ويربط عبد القاهر سياقات الحذف ببعض الموضوعات كما في وروده بشكل مألوف عند ذكر الديار، ويذكر سياقات أخرى يطّرد فيها حذف المبتدأ، وحذف المفعول، ويربطها بحاجة المتكلّم وبطبيعة التركيب وصلة اللفظة بغيرها، وفي هذا قد يساوى الفعل المتعدّي بالفعل اللازم باعتبار السياق الذي يرد فيه. كقولنا يحلّ ويعقد، ويأمر وينهى، ويضرّ وينفع [2] .
وقد يعود اختلاف السياق عنده إلى الدلالة أو إلى طبيعة الصياغة ومقتضياتها، أو لأنّ الحذف يدلّ عليه الحال، فالسياق عند عبد القاهر هو نقطة البدء، وليس الكلمة، ويعتبر أنّ البحث عن السياق يأتي قبل البحث عن الألفاظ وعلاقاتها [3] . وأورد عبد القاهر بعض سياقات الذكر مؤكّدا دور السياق في تركيب الصياغة.
(1) عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، ص 367.
(2) نفسه، ص 367.
(3) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الاعجاز، 188.