وكان آدم، أزرق، أوقص، أفرع، أكشف، أزور الصّدر، متأثّل [1] الخلق. ويقال: إنه أخرج لسانه، فإذا هو أسود كأنّه لسان ظبي، فأخذه بيده، ثم أومأ بيده إلى رقبته، فقال: ويل لهذا مما يجني عليه هذا، فكان هو الذي جنى عليه، فقتل، وذلك أنه هجا عمرو بن هند، وكان ينادمه هو والمتلمّس والمتلمّس خال طرفة فكتب لهما كتابين إلى المكعبر، يأمره فيهما بقتلهما، فأمّا المتلمّس فإنه خرّق كتابه [2] ونجا بنفسه، ومضى طرفة بالكتاب فقتل. وهو القائل في قصيدة له [3] : [من الطويل]
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا استراث الخبر [4] يتمثّل بعجز هذا البيت، من هذه القصيدة. وقد روي لغيره [5] :
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ... تزوّد لأخرى مثلها فكأن قد [6]
وله [7] : [من المديد]
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
أي: له عقل في كلّ وجه توجّه فيه فيما يهوى، وينتفع به. وقال ثعلب: إن اتّجه لجهة صالحة علم أنّ له عقلا، وإن اتّجه لجهة شرّ علم أنّه لا عقل له.
وله [8] : [من الطويل]
فوجدي بسلمى فوق وجد مرقّش ... بأسماء إذ لا يستفيق عواذله
لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي البثّ أشفى من هوى لا يزايله [9]
(1) في الأصل (وفي ك) : متأوّل. (فرّاج) . وآدم: شديد السّمرة. والأدمة لون العرب. والأوقص: قصير العنق.
والأفرع: غزير الشعر. والأكشف: من الكشف. وهو رجوع شعر القصّة قبل اليافوخ. والعرب تتشاءم بالأكشف.
والأزور: الذي اعوجّ وسط صدره. ومتأثّل الخلق: عظيم الخلق.
(2) خرّق كتابه: مزّقه.
(3) البيت من المعلّقة. انظر (ديوان طرفة بن العبد ص 48) .
(4) استراث الخبر: استبطأ وصوله.
(5) لم أقف على البيت في (ديوان طرفة بن العبد) . وأخلّ المحقّقان به، فلم يشيرا إليه.
(6) يبقى خلافه: يمكث بعده. وقد: حرف يدلّ على التقريب، وبعده فعل محذوف، أي: فكأن قد مضيت. انظر (الجنى الداني ص 260) .
(7) البيت ختام قصيدة له. انظر (ديوان طرفة بن العبد ص 80) .
(8) البيتان من قصيدة له. انظر (ديوان طرفة بن العبد ص 124123) .
(9) البثّ: الحزن. وقوله: «لا عقوبة بعده» هو أن يتعقّب الرجل، فيؤخذ بما كان قبله من ذنب.