أما في مصر فالمعروف أنها ظلت جزءا من الخلافة الإسلامية يحكمها ولاة يأتمرون بأمر الخليفة في دمشق، أو بغداد الى أن قامت الدولة الطولونية 254/ 292هـ 868/ 905م فكانت أول من أخذت ترتيب الملك وإقامة شعائر السلطنة بالديار المصرية.
وكان من الطبيعي أن يعنى أحمد بن طولون بديوان الإنشاء بالذات بوصفه مظهرا لسيادته واستغلاله، وفي ذلك يقول القلقشندي عن أحمد بن طولون أنه لما شمخ سلطانه وارتفع بها شأنه أخذ في ترتيب ديوان الإنشاء لما يحتاج إليه في المكاتبات والولايات.
وظل الحال كذلك حتى قامت الدولة الفاطمية، وهي الدولة التي قامت على أساس الدعوى والرعاية الشيعيتين، فوجه الفاطميون مزيد عنايتهم به، وبكتابه، فارتفع بهم قدره، وشاع في الآفاق ذكره وتولى رئاسته أفاضل الكتاب وبلغاؤهم ما بين مسلم وذمي وسمي صاحبه باسم كاتب الدست الشريف، وغدا يتولى شؤونه جماعة من أكابر الكتاب وأرباب الأقلام فينهضون ويعملون على بلوغه حد الكمال.
وقبل أن ندخل في وضع هذا الديوان في عصري الأيوبيين والمماليك والفترة التي عاشها مؤلف هذه المخطوطة وما بعدها لا بد أن نعرف الأسباب التي أدت إلى أهمية الكتابة والإنشاء.
لعل إضافة الديوان للإنشاء تحتمل إما أن الأوامر السلطانية في المكاتبات والولايات تنشأ عنه وتبتدئ منه أو أن الكاتب ينشأ لكل واقعة مقالا، وقد كان في الزمن المتقدم يعبر عنه بديوان الرسائل فسميته له بأشهر الأنواع التي تصدر عنه لأن الرسائل أكثر أنواع كتابة الإنشاء وبما قيل ديوان المكاتبات.
وقد عدد المؤرخون فضائل الكتابة وأهميتها، فاستشهدوا بأن أول آيات الله كانت تدعو إلى القراءة والعلم فقال تعالى في سورة العلق {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ} وقال تعالى في سورة الرحمن: الرَّحْمََنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
خَلَقَ الْإِنْسََانَ عَلَّمَهُ الْبَيََانَ وفي سورة الانفطار قال تعالى في وصف الملائكة {كِرََامًا كََاتِبِينَ} .