وهذا بالطبع يفتح الباب للتقول على هذا القرآن إذا سلمت هذه المقدمات، وهيهات كما سنرى.
ومن الإنصاف أن نقرر هنا أن ما حبب لهم وزين لهم هذا القول ظنهم بأن قضية التوحيد لا بدّ فيها من ذكر هذه المادة نفسها: مادة الوحدانية، وعلى هذا فلم يجدوا أن مادة (توحيد) ، أو (واحد) أو (أحد) جاء لها ذكر في السور الأولى، فخلصوا من ذلك إلى ما أرادوه من نتائج تتفق مع رغبتهم، وبالتالي مع ما يريدونه من نتائج، وكان من واجبهم وبخاصة الباحثين والعلماء أن يسلكوا المسلك العلمي في بحث هذه القضية، فالنبي الكريم جاء برسالة، ثم دعا الناس إليها بعد ذلك، وهنا ينبغي أن نتساءل: ترى ما الذي دعا الناس إليه بادئ بدء؟ أكان يدعوهم إلى الصلاة والصيام والزكاة؟ أكان يدعوهم إلى إعطاء النساء حقوقهن أم إلى البر مع أهل الكتاب؟ كل ذلك لم يكن بالطبع لأن تلك القضايا والتشريعات إنما كانت فيما بعد، ولماذا حملوا عليه لأول وهلة يا ترى ومن أول يوم دعاهم فيه؟ ألأنه قال لهم: أكرموا جيرانكم؟ أم لأنه قال لهم: لا تظلموا الفقراء؟ أم لأنه قال لهم: دعوا الزنا؟ لا يدّعي عاقل أن معارضة النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا الموقف السلبي منه ومن دينه ومن المؤمنين به، كان لهذه القضايا، فلا يقبل ذو مسحة من عقل أن يثور على رجل يدعو لهذه المكارم!
ونتساءل لماذا هذا العداء إذن؟ ربما لأنه جاء يأمرهم بصلة الرحم والوفاء بالعهد وإيتاء ذي القربى؟ يقينا أن ذلك لم يكن، إذن لماذا؟
ومن الإنصاف أن نقول هنا وقد أخذنا على عاتقنا في هذا الكتاب أن نكون موضوعيين منهجيين، حتى لو كانت الحجج تبدو لأول وهلة وكأنها علينا لا لنا ولذا فنحن نفترض لمن يخالفنا، نفترض له الحجج وندله عليها، أقول:
من الإنصاف أن نفترض هذا الفرض: لماذا لا تكون معارضتهم وعداؤهم لهذا النبي حسدا؟ فهم إنما عادوه وعارضوه لأمر شخصيّ. ونحن إذ يمكننا أن نسلم
هذا ولا ننكره لكن سيظل الإشكال باقيا: هل يعقل أن يجيء صاحب دعوة ويقول: أنا رسول، ويكتفي بهذا؟ من البدهي: لا لأن كلمة رسول كما تتطلب مرسلا إليهم فإنها تحتاج كذلك إلى شيء مرسل به، فما هو الذي أرسل به يا ترى؟ إذ لا يعقل أن يأتي رسول بدون رسالة!