خامسا
التفريق بين طبيعة التوحيد والادلة على الوحدانية
: حري بنا أن نفرق بين أمرين اثنين: بين طبيعة التوحيد والدعوة إليه، وبين البراهين على الوحدانية، فأما قضية التوحيد والدعوة إليه فتلك قضية كانت معلومة منذ اليوم الأول، وما حوربت دعوة النبي إلا من أجل ذلك كما بيّنا من قبل، وأما البراهين على التوحيد فهذه يمكن أن يكون قد تأخر نزولها وذلك حينما حمي الوطيس وقويت المشادة بين المسلمين وخصومهم، فجاءت تلك البراهين ملزمة لأولئك الخصوم، ملزمة لهم بالحجج الدامغة.
وبراهين التوحيد في كتاب الله كثيرة، مثل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
[الشورى: 11] ، {مَا اتَّخَذَ اللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ} [المؤمنون: 91] ، {لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلَّا اللََّهُ لَفَسَدَتََا} [الأنبياء: 22] ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تحدثت عن الوحدانية.
تلك هي قضية الوحدانية، وأرجو بعد هذا البيان أن تكون قد تحددت معالم الحق، وأن تزول كل شبهة، والحق أحق أن يتبع.
قول الموسوعة: «وهنالك مصدر يقول إن محمدا اعترف بالسلطة النسبية لثلاثة آلهة هم اللات ومناة والعزى، ولكنه عاد وألغى ذلك في وقت لاحق» .
تعرف هذه القضية بمسألة الغرانيق، وملخص القضية أن الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ سورة النجم عند الكعبة، فلما بلغ قوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللََّاتَ وَالْعُزََّى (19) وَمَنََاةَ الثََّالِثَةَ الْأُخْرى ََ} (20) [آية: 2019] قال بعد ذلك: «وإنها لهي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» ، ففرح المشركون بهذا الوصف لهذه الأصنام الثلاثة اللات والعزى ومناة، ووصفها بالغرانيق العلى، وبأن شفاعتهن ترتجى، فلما بلغ آخر السورة وهي آية فيها سجدة سجد، فسجد المؤمنون والمشركون معه جميعا.