فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 275

ووفقا للتعاليم الإسلامية الصارمة فإنّه لا توجد أيّة شفاعة، إلّا أنّ الله نفسه قد يغفر لبعض المذنبين بسبب رحمته الواسعة، فأمّا الهالكون فسيحترقون في نار جهنّم، وأمّا النّاجون فسيتقلّبون في نعيم الجنّة الخالد، وإضافة إلى عذاب النّار الحسّي فإنّ الأشقياء سيحسّون بالعذاب «في قلوبهم» . وبالمثل فإن السعداء سيشعرون بسعادة قصوى بسبب رضا الله عنهم إضافة إلى تنعّمهم الحسّي. ولكن التراث الإسلامي طوّر في فترة متقدّمة مفهوم الشفاعة، ولعلّ ذلك كان ردّا على عقيدة الخلاص المسيحية.

الخدمة الاجتماعية:

إنّ علاقة الله بالإنسان هي علاقة الآمر [بالمأمور] ، لأنّ الغرض من وجود الإنسان، بل وكلّ المخلوقات، هو الاستسلام للمشيئة الإلهية، فبينما نجد أنّ باقي الطبيعة تطيع الله بشكل آلي، نرى أنّ الإنسان وحده هو الذي يملك الاختيار في أن يطيع أو يعصي، ومع الإيمان المتمكّن في الأعماق بوجود الشيطان فإنّ دور الإنسان يتحوّل إلى صراع أخلاقيّ وهو ما يشكّل جوهر مسعى الإنسان، ثم إنّ الاعتراف بوحدانية الله لا يتوقف على العقل وحسب بل ينجم عن ذلك مستلزمات من حيث الصّراع الأخلاقي الذي يتمثّل أساسا في تخليص الإنسان نفسه من ضيق الأفق وضيق القلب، إنّ الواجب على الإنسان أن يتحرّر من نفسه وينفق على الآخرين أحسن ما يملك.

ويعتبر مذهب الخدمة الاجتماعية من حيث تخفيف مقاساة الآخرين ومساعدة المحتاجين جزءا لا يتجزأ من التعاليم الإسلامية، إذ أنّ الصلاة والعبادات الأخرى ما هي إلا مظهر كاذب إذا لم تصاحبها خدمة اجتماعية فعالة لفائدة المحتاجين، ومن هذه الناحية نجد أنّ انتقادات القرآن للطبيعة البشرية حادّة جدا، {* إِنَّ الْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذََا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذََا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} (21) [المعارج: 2119] ، فالشيطان هو الذي يوسوس للإنسان أنّه سيفتقر إذا أنفق على الآخرين. وعلى

النقيض من ذلك فإنّ الله يعد من ينفق بالنّعيم حيث أنّ هذه الإنفاق قرض لله سيضاعف أكثر ممّا يجنيه النّاس من الاستثمار بالرّبا، ثمّ إنّ اختزان الأموال من دون الاعتراف بحقوق الفقراء يعرّض صاحبه يوم القيامة لأشدّ العذاب، وهو فوق ذلك من الأسباب الرئيسية لانحطاط المجتمعات في هذا العالم. وأمّا التعامل بالرّبا فهو محرّم، وجنبا لجنب مع هذا المذهب السياسي والاقتصادي الذي يعزّز رباط الإيمان تبرز فكرة مجتمع متلاحم من المؤمنين الموصوفين بأنّهم أخوة بعضهم لبعض، ويوصف المسلمون على أنّهم {أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى النََّاسِ} [البقرة: 143] ، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ} الذي يتمثّل دورها في {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] ، كما يوجد تركيز على التعاون والتناصح بين أفراد الأمة، وكلّ من يحاول أن يضرّ بمصالح الأمّة يعاقب حتى يكون عبرة لغيره، وكلّ معارض من بين أفراد الأمّة يحارب ويقهر بالقوة، إذا تعذّر الإقناع أو التحكيم بين المتنازعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت