وهكذا فإن اسم السورة العنوان لم يأت عبثا، ولم يشر إلى جزئيات جانبية، أو مسائل فرعية، بل على العكس من ذلك فهو إما أن يدل على موضوعات السورة تمام الدلالة، وإما أن يشير إلى جوانب بارزة عنى القرآن وقصد إلى إظهارها وإبرازها، وقد مثلنا لكل من النوعين، مثلنا للنوع الأول
بسورة براءة ونوح والجن، ونزيد هنا سورة النساء ويوسف والأنبياء والقصص، ونمثل للنوع الثاني بسورة الإسراء والكهف ومريم والنمل ولقمان.
بقي في هذه القضية الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، التي لم يشرح معناها بشكل مرض! كما جاء في دائرة المعارف، أو هو اختصار لكلمات، أو أن له أهمية سحرية! فنحب أن نبادرك القول هنا أيها القارئ بأن هذه الحروف المقطعة قد نالت من الشرح والعناية ما تستحق، وهي شروح مرضية مقبولة ذلك أن حرية الفهم لهذا الكتاب ما دامت بعيدة عن الشطط والوهم مفتحة الأبواب ولذا اختلف الناس في فهم هذه الأحرف، فمنهم من رأى أنها سر من أسرار هذا الكتاب، والقرآن كتاب سماوي لا بد أن تكون له أسرار، كأي كتاب سماوي. وآخرون رأوا أنها أسماء للسور القرآنية، وذهب قوم إلى أنها إشارة إلى بعض أسماء الله وصفاته، وكثيرون رأوا أن هذه الحروف جاءت للتحدي والإيقاظ، أما الإيقاظ فلأن العرب لم يتعودوا مثل هذا في كلامهم من قبل، فليس في كلامهم، شعرا ولا نثرا، مثل هذه الحروف المقطعة على هذا النظام، فوجودها في القرآن الكريم من شأنه أن ينبههم ويزيد في إيقاظهم حينما يسمعون شيئا لا قبل لهم به، وتلك قضية نفسية مسلمة لا محل فيها لارتياب، وأما التحدي فلأن كلام العرب مكون من هذه الحروف نفسها، فحينما تبدأ بعض السور بها، فهو تحدّ يقال فيه للعرب: لم عجزتم عن أن تأتوا بهذا القرآن مع أنه مكون من مادة الحروف التي تتكلمون بها، وهذه هي حروفه التي يتكون منها: (الم، ص، ق) ، وهي حروفكم نفسها، فلم العجز إذن؟! ويستدل هؤلاء بأنه جاء عقب هذه الحروف في غالب السور ذكر الكتاب، كما في سورة البقرة: {الم (1) ذََلِكَ الْكِتََابُ} [البقرة: 21] ، وفي سورة إبراهيم:
الر كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النََّاسَ مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى ََ صِرََاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم: 1] ، وهذا لا ينافي كون هذه الحروف أسماء للسور، وهو الرأي السابق. وهذا الرأي هو الذي ارتضاه المحققون من العلماء، فليست القضية إذن قضية شرح غير مرض، أو قضية أهمية سحرية.