التفرقة بين الأسلوب المكي والمدني أمر كانت له أبعاده ومقدماته ونتائجه، وهي قضية طالما عرض لها رجال التبشير والاستشراق على السواء، ورددها بعدهم المتأثرون بهم، وكنا نود أن تتخذ دائرة المعارف منهجا أقرب إلى الموضوعية والعلم، والنزاهة والإنصاف.
إن الغاية من تقسيم القرآن إلى أسلوبين هدفها إثبات أن هذا القرآن كان خاضعا للبيئات المختلفة، فهو في مكة كان ذا أسلوب شعريّ يتفق مع لغة القوم وثقافتهم العربية المحدودة، ولكنه في البيئة المدنية كان متأثرا بأهل الكتاب الذين كانوا هناك من اليهود، والذين كان لهم من الثقافة ما لم يكن للعرب في مكة، كما أن لأهل مكة من السليقة اللغوية ما لم يكن لهؤلاء، وعلى هذا فالقرآن كان يخضع لأمزجة مختلفة، وثقافات متغيرة، فليس نسقا واحدا، فآياته في مكة قصيرة ذات أسلوب وإيحاء قوي، ولكنها في المدينة كانت طويلة ذات أسلوب معقد، وهذه والحق يقال فرية لا تقوم على أساس من منطق، بيان ذلك:
إن القرآن المكي كان يعالج موضوعات معينة هدفها تثبيت عقيدة الألوهية، وما يتبعها من شئون الرسالة والنبوة، وأنباء اليوم الآخر، وما يمكن أن ينمّي ذلك من أخلاق فاضلة، ولكي يتم التأثير جاءت القصص تحدّث عن الأولين، وما كان من شأنهم، لا من حيث الإيمان فحسب، ولكن من حيث الأمور المسلكية كذلك، كتطفيف المكيال والميزان، وتعظيم الناس من حيث أنسابهم وأموالهم، وفعل بعض الفواحش. وكل هذه من مقتضيات التربية، التي يهدف لها القرآن المكي، ولكن طبيعة الأحداث تحتم أن يكون للقرآن المدني هدف آخر، فالجماعة المسلمة لا بد لها من نظام شامل كي تحفظ نفسها من المنزلقات، وهذا النظام الشامل لا بد أن يشمل مناحي الحياة جميعها، فعلاقة
الأفراد بعضهم مع بعض، وعلاقة الجماعة بغيرها من الناس، كل ذلك كان الهدف الذي يوجه إليه القرآن ويبين أسسه ويرسي قواعده.