من الإنصاف أن نفترض هذا الفرض: لماذا لا تكون معارضتهم وعداؤهم لهذا النبي حسدا؟ فهم إنما عادوه وعارضوه لأمر شخصيّ. ونحن إذ يمكننا أن نسلم
هذا ولا ننكره لكن سيظل الإشكال باقيا: هل يعقل أن يجيء صاحب دعوة ويقول: أنا رسول، ويكتفي بهذا؟ من البدهي: لا لأن كلمة رسول كما تتطلب مرسلا إليهم فإنها تحتاج كذلك إلى شيء مرسل به، فما هو الذي أرسل به يا ترى؟ إذ لا يعقل أن يأتي رسول بدون رسالة!
ويقيننا أن القرآن يتكفل بالإجابة عن هذا كله، فإن أول كلمة صدع بها النبي عليه وآله الصلاة والسلام كانت الدعوة إلى التوحيد، والقرآن كما قلت يجيبنا عن ذلك كله، وهو يبين لنا سبب ثورتهم وعدائهم وخصومتهم {وَعَجِبُوا أَنْ جََاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقََالَ الْكََافِرُونَ هََذََا سََاحِرٌ كَذََّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلََهًا وََاحِدًا إِنَّ هََذََا لَشَيْءٌ عُجََابٌ} (5) [ص: 54] .
ومن المفيد في قضيتنا هذه أن نسجل الأمور التالية:
أولا
نفور النبى قبل رسالة الاسلام
: من المعلوم بدهيا أن سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينفر من الأصنام ومن تعدد الآلهة، فلم تثبت عنه عبادة صنم قبل رسالته، وإذا كان قبل الرسالة كذلك فكيف يكون الحال بعد الرسالة يا ترى! وأن الأصل الذي كان يشغله إنما هو قضية التوحيد قبل كل شيء، ذلك الأمر الذي يحيّره فيتعبد به، وذلك ما امتن الله عليه به {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ََ} [الضحى: 7] أي: حائرا تبحث عن الحق فهداك إليه.
ثانيا
تقرير مبدا الوحدانية دون ورود هذه المادة
: إن الروعة في أسلوب القرآن، وهي التي أدهشت العرب الذين سمعوه أول مرة، وهي لا تزال كذلك تستدعي الإعجاب من كل منصف، أقول إن الروعة في هذا الأسلوب هي أنه ليس كما تعوده الناس من كتب القوانين وأنظمتها يتبع حالة واحدة وطريقا واحدا فيما أحل أو حرم، أو فيما أمر به أو نهى عنه، بل اتبع لذلك أساليب شتى، فإذا نظرنا إلى ما حرمه القرآن فإننا لا نجده تلازمه هذه الصيغة صيغة التحريم، فلم يقل: حرمت عليكم السرقة، أو الكذب، أو السخرية من الناس، أو اغتصاب أموالهم. ومع أن هذه الأمور لا
يرتاب أحد في تحريمها، لكنه سلك طرقا وأساليب متعددة تدل على هذا التحريم (1) .