لقد كان المعتزلة يقفون من هذه الفلسفة وبخاصة الأرسطية موقف الناقد الساخط، والحق أن فلسفة أرسطو ومنطقه لم يصبح ذا شأن في الثقافة الإسلامية، إلا في قرن متأخر وذلك على يد إمام الحرمين الجويني، وتلميذه حجة الإسلام الغزالي في القرن الخامس الهجري، ومن قبل هذا القرن كان لعلماء أصول الدين المتكلمين ولعلماء أصول الفقه منهج بعيد عن منطق أرسطو وفرفريوس، ولم يشذ المعتزلة عن ذلك، ومناظرات أبي العباس الناشئ وهو معتزلي خير دليل على ما قلناه.
إن ظهور المعتزلة لم يكن ناشئا إلا عن وجهة نظر دينية صرفة، بعيدة عن التأثر بالفلسفة أيّا كان انتماؤها، وأيا كانت أروقتها.
إن قضية خلق القرآن، رغم ما كان لها من دور، ورغم ما أثير حولها من ضجيج، إلا أنها لم تعد قضية ذات شأن، فهي مسألة كما يرى المحققون لا تعدو أن تكون خلافا لفظيا أكثر منه حقيقيا. إن المعتزلة وغيرهم من المسلمين مجمعون على أن الألفاظ حادثة، إلا أن الأشاعرة أثبتوا لله كلاما نفسيا، ونفاه المعتزلة، ومن هنا نشأ هذا الخلاف في خلق القرآن، وليس معنى كون القرآن مخلوقا أنه ليست له هذه القدسية، وليس معجزا.
إن المعتزلة ينكرون الصفات فعلا بحجة أنها لو كانت موجودة فإنها ينبغي أن تكون قديمة، فالموصوف القديم لا يجوز أن تكون له صفة حادثة، والمحذور الذي ينشأ عن هذا تعدد القدماء، وقد رد عليهم خصومهم من أهل السنة بأن المحذور تعدد الذوات وليس تعدد الصفات، ولكن ليس معنى هذا أن المعتزلة ينكرون أن الله عالم قدير مريد حي سميع بصير متكلم، بل هم يعترفون بذلك كله، ولكنهم يقولون هو عالم بذاته، قادر بذاته الخ.