فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 275

وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني، وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر [1] ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية يدركه هو بفطنته وفطرته، فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب ويبهر الأبصار. ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن أطلقوا عليه (سحرا) حتى في عصرنا الحاضر، ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة نجد العرب على اختلاف دياناتهم يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذاته المعروفة ببلاغتها الرفيعة» [2] .

ثانيا: السورة في موضوعاتها:

أما ما يتصل بموضوعات السورة القرآنية، وهو ليس بعيدا عن بحثنا الأول بل هو من صلبه داخل في دائرته، قد يكون من الصعوبة بمكان أن يتصور أحد الأفارقة أو أحد الأسيويين الذين عاشوا في ظل الاستعمار إن كان له ظل أن يتصوروا المشاعر والدوافع التي تدور في خلد المستعمرين، أن يتصوروا ذلك تصورا تاما. وقد يكون من الصعب كذلك أن نحمل شعبا ما على أن ينسجم انسجاما تاما مع أدب شعب آخر، كما أن من الصعب أن نحمل الشرقيين ليجدوا في الموسيقى الغربية ما يجده الغربيون أنفسهم، ولكن مع بدهية هذه الأشياء كيف يكون الحال لو أن أحد هؤلاء الشرقيين وصف موسيقى بيتهوفن

(1) وهو كتاب «النبأ العظيم» .

(2) «مدخل إلى القرآن الكريم» ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت