فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 275

بأنها نغمات نشاز! تخلو مقطوعاتها وسيمفونياتها من الروابط والصلات! وإنما هي مقطعة الأوصال مفرقة الأجزاء! يقيننا أنه لو حدث ذلك لكان مثارة للسخرية، أو من دواعي الإشفاق، وبخاصة عند أولئك الذين يتذوقون هذه الموسيقى ويعجبون بها، ويعرفون السلم والأصول التي بنيت عليها.

صحيح أن الناس يختلفون في مشاربهم، ولكن هناك قواعد عامة تظل هي المقياس الصحيح. إننا نقدّر أدب شكسبير حتى لو لم نكن نتذوقه من لغته نفسها، والقرآن الكريم معجز في حقائقه العلمية والتاريخية ومعجز في بيانه كذلك وهذا البيان لا يقف عند الجملة والفقرة والآية، بل يظهر في ترتيب السورة ونسقها كذلك، وهذا أمر فطن إليه الأئمة منذ القدم لذلك كانت لهم عناية في كشف اللثام عن متانة الترابط وإحكام الصلة بين أجزاء كل سورة من سور القرآن.

ولكن كثيرا من المستشرقين، وأخذت عنهم مع كل أسف دائرة المعارف، حكموا على السور القرآنية حكما فطيرا خاليا من التأمل، وقد يكون لهم عذر لجهلهم باللغة العربية، ولكن لا يمكن أن يكون لهم عذر في هذا الحكم البعيد عن مواطن الإنصاف.

لقد نظروا للسورة الواحدة فوجدوها تتحدث عن العقيدة والقصة وقضايا الأخلاق فظنوا أن هذه الموضوعات المتفرقة لا يجمعها إطار واحد، وكان الإنصاف يتطلب ترويا وإجالة فكر. ولقد حاولوا تعليل هذه القضية التي أقنعوا أنفسهم بها، وهي عدم الترابط بين أجزاء السورة، بعلل مختلفة، فرجعها بعضهم إلى سذاجة الأسلوب وركاكته، ورجعها بعضهم لغرض مقصود وهو عدم الملالة والسآمة، ورجعها آخرون إلى ركاكة في المعنى، وآخرون حملوا ذلك الخطأ للصحابة رضوان الله عليهم بأنهم لم يحسنوا ترتيب الموضوعات في السورة الواحدة. والمنطق العلمي يأبى ذلك كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت