أما القراءة الثانية فتوجيهها هكذا: (إن) مخففة من الثقيلة أي من إنّ، (واللام) هي الفارقة بين (إن) المخففة و (إن) النافية، وهذا معلوم في النحو العربي فلكي يفرقوا بين (إن) النافية والمخففة يأتون بهذه اللام لتدل على أن (إن) مخففة وليست نافية، ومعنى الآية إذن وإنّ مكرهم لتزول منه الجبال، أي إن مكرهم بقوته وشدته تزول منه الجبال، والمقصود هنا بالجبال، الجبال المعروفة حقيقة، والمقصود تصوير شدة مكرهم بأن الجبال تكاد تنقلع منه، ولكنه مع ذلك لن يؤثر عليكم أيها المؤمنون.
فنحن نرى أن كلّا من القراءتين لها معنى خاص، ولا نستطيع أن نجعل القراءتين ذواتي معنى واحد، ولكن هذين المعنيين مع تغايرهما إلا أنهما ليس بينهما تضاد ولا تناقض، بل كل يشير إلى قضية ذات شأن، فالمعنى الأول هدفه بيان ثبات العقيدة في قلوب المؤمنين، وثبات المؤمنين، على هذه العقيدة، وغاية المعنى الثاني أن مكرهم تكاد الجبال تقتلع منه، وهكذا تعطي كل من القراءتين معنى جميلا جليلا.
إذا كانت القراءات الناشئة عن الأحرف السبعة تتلقى مشافهة فإنّ معنى هذا أنها كلها قرآن ما دام قد ثبت لها التواتر، وإذن فليس لأحد من الناس أيّا كانت منزلته وعلمه أن يجتهد في شيء منها ليغير أو يبدل حرفا أو كلمة، وهذا معنى قولهم: (القراءة سنة متبعة) وليست السنّة هنا بمعنى النافلة، بل معنى ذلك أنها طريقة ثابتة لا مجال فيها للرأي ولا للاجتهاد. وعلى هذا ندرك فساد ما ذهب إليه جولدزيهر حينما ادّعى أن العلماء جعلوا هذه القراءات خاضعة لاجتهادهم وتفكيرهم حتى يكون لها معنى مقبول وقد ضرب لذلك أمثلة تدلّ على واحد من أمرين: إما الجهل أو التجني، وسنثبت ذلك ببعض الأمثلة التي ذكرها: