وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
وتتلخص هذه التهمة بأنهم فسروا قوله سبحانه: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ إِلََّا إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى الشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللََّهُ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللََّهُ آيََاتِهِ وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52] ، فسروا التمني في هذه الآيات بالقراءة، وقالوا: هذه الآية جاءت تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم، يقال له: لست وحدك الذي يلقي الشيطان في قراءته، بل هو شأن الأنبياء من قبلك، فلا تحزن إن ألقى الشيطان في قراءتك حكاية الغرانيق! ومع بطلان هذا القول كما بيناه من قبل فإن التمني
في الآية الكريمة محمول على حقيقته اللغوية أي: كل نبي إذا أحب وطلب أن يؤمن الناس به ألقى الشيطان في طريق هذه الأمنيات وساوسه في قلوب الناس، فيزيل الله وساوسه من قلوب المؤمنين ويحكم الله آياته في قلوبهم، وتظل هذه الوساوس فتنة للذين في قلوبهم مرض.
تلك هي قضية الغرانيق يردها كل أولئك الذين عرفوا القرآن وعرفوا النبي صلّى الله عليه وسلّم معرفة تقوم على أساس من الإنصاف والنزاهة.
قول الموسوعة: «كما أن هنالك بعض الإشارات إلى تغيير الطقوس الدينية للصلاة» .
ليست الصلاة وحدها هي التي طرأ عليها تغيير بين العهد المكي والمدني كما جاء في الموسوعة البريطانية، ولكن هناك قضايا كثيرة لا تخص الشريعة وحدها، بل تشمل العقيدة كذلك، ادّعي أنها مثل الصلاة طرأ عليها تغيير، وحدث لها تعديل وتبديل ما بين العهدين المكي والمدني، فمن حيث العقيدة:
إنّ فكرة القرآن عن الله في مكة تختلف تماما عنها في المدينة، ففي مكة كانت صفات الرحمة وما يتصل بها من مغفرة وعفو هي الطابع المميز لذات الله في مكة، أما في المدينة، فأصبحنا نرى ونستمع إلى صفات أخر، هي صفات القوة والجبروت والشدة والبطش!
وأما من حيث القصص والأساطير: ففي مكة كانت الأساطير اليهودية والنصرانية الساذجة هي السمة البارزة في القرآن، وكان القرآن يحاول إقناع قارئيه بأنه يشبه الكتب التي قبله، أما في القرآن المدني فلقد تركزت القصص بحيث تتفق مع ما يرضي اليهود، فتحدثت عن إبراهيم وإسماعيل، وصلة العرب باليهود، والتقائهم بإبراهيم أبا!