وأما من حيث الأمور التشريعية: فلها شواهد كثيرة، فلقد تأثر الإسلام باليهودية في شأن الطلاق، وفي تعظيم يوم عاشوراء، وفي التوجه إلى بيت المقدس، ولكن لما اشتدت الخصومة بين المسلمين واليهود حدث تغير ورجوع عن بعض هذه الأحكام، فتحولت القبلة إلى الكعبة، ولا ننسى أن الصلاة نفسها تغيرت إلى حدّ كبير ما بين مكة والمدينة، فبينما كانت الصلاة بادئ بدء في مكة مرتين أضيف لها في المدينة صلاة ثالثة وهي صلاة العصر، لتتفق مع الطقوس اليهودية!
ولا نود أن نسترسل في الحديث عن هذه الادّعاءات التي لا نظن أنها تشرف أصحابها، ولن نجد عناء وصعوبة في ردّها، ولسنا نحن الذين نردّ، وإنما القرآن بحججه وواقعه، لكل ذي بصر وبصيرة هو الذي يردّ ذلك كله، فمن حيث القضايا العقدية التي تتعلق بصفات الله، فها هي السور المكية باعتراف كل أولئك الذين نقلت عنهم الموسوعة البريطانية، بل باعتراف (نولدكه) الذي أخذ عنه كثير من المستشرقين ترتيب السور القرآنية، أقول هذه السور جميعها التي يعترف أولئك بمكيتها نجد فيها بيان صفات الله تبارك وتعالى القوي [1] ، شديد العقاب، وسريع العقاب [2] ، وسريع الحساب [3] ، وشديد البطش [4] ، إلى جانب صفات الرحمة والمغفرة.
(1) في سورة غافر: {* أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ الَّذِينَ كََانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كََانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثََارًا فِي الْأَرْضِ} {إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقََابِ} (22) [الآيتان: 2221] .
(2) في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلََائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجََاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقََابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (165) [آية: 165] . وفي سورة الأعراف: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى ََ يَوْمِ الْقِيََامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذََابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقََابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (167) [آية: 167] .
(3) في قوله تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللََّهِ مَوْلََاهُمُ الْحَقِّ أَلََا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحََاسِبِينَ} (62) [الأنعام: 62] .
وفي قوله {لِيَجْزِيَ اللََّهُ كُلَّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ إِنَّ اللََّهَ سَرِيعُ الْحِسََابِ} (51) [إبراهيم: 51] .
(4) في قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} (12) [البروج: 12] .