أما ما قاله كثير من المستشرقين فكان بعيدا عن الواقع، فلقد قالوا إن النبي هو الذي كان يكتب هذه القضايا، وحاولوا أن يثبتوا ذلك، فزعموا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يكتب، واستدلوا لذلك بما كان في مرضه عليه الصلاة والسلام، حينما طلب أن يكتب للمسلمين كتابا، وهذا منطق غريب إن جاز أن نسميه منطقا، فنحن نعلم أن الرؤساء ومن ماثلهم لا يتولون الكتابة بأنفسهم، فضلا عن أن
النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في مرض يعيقه في كثير من الأحيان حتى عن أن يؤدي الصلاة إماما للمسلمين، ولكن المستشرقين يأبون إلا أن يذكروا كل ما يجول في خواطرهم، ويوحي به بعضهم إلى بعض، ولنرجع إلى هذه الاحتمالات التي تحدثنا عنها من قبل:
أن يكون المجتمع الذي عاش فيه النبي عليه وآله الصلاة والسلام هو مصدر القرآن، وهذا يتطلب منا دراسة لهذا المجتمع من حيث العقائد والأخلاق والاهتمامات والمشاغل والظروف، وهذه الدراسة ينبغي أن تكون دراسة متأنية مستمدة من حقائق الواقع والتاريخ، ليست مبنية على رأي فطير خال عن الموضوعية، فكيف كان هذا المجتمع؟
قبل أن نجيب نحن، نحب أن نعرض لرأي مستشرق فرنسي، عرف في الأوساط الثقافية والعلمية بعقليته، ومنهجيته، ولكن هذه العقلية والمنهجية، يظهر أنها تهيمن على صاحبها حينما يكون الأمر بعيدا عن الإسلام والمسلمين، فإذا كان الأمر يتصل بالإسلام والمسلمين، وجدنا كل ذلك يتلاشى، ذلكم العالم هو إرنست رنان، حيث يصور المجتمع العربي، بصورة يتمناها أبناء العصر الحديث، فالمجتمع العربي كما يصوره رنان لم يعرف الخرافات كما عرفتها المجتمعات الأخرى، بل كان مجتمعا موحدا يعبد الله الواحد، ثم إنه كان يصدر عن عقيدة التوحيد في كل تصرفاته وأخلاقه، فلقد كان الدين شغله الشاغل، ولقد كان هذا المجتمع ممتلئ حماسة لقضايا الدين، ولا عجب في ذلك، فهو مجتمع التقت فيه الحضارات والديانات جميعها، وعلى هذا فإن النبي الكريم لم يأت بجديد لهذا المجتمع، بل كان كل ما جاء به منتزعا من هذا المجتمع، ومنبثقا عن مقرراته. وهذا ما يريد أن يصل إليه رنان، ولكن هل هذه الصورة التي ذكرها رنان، هي الصورة الحقيقية لهذا المجتمع؟